يجب أولا الإشادة بمواهب الرجل فقد استمر يتحدث أكثر من ساعة بكلام غير مفهوم تقريبا ما عدا بعض الجمل المفيدة و هذه موهبة أيضا , لكن الحقيقة هي أن بشار الأسد ما زال يعيش في عالم ينتمي للماضي أكثر ما ينتمي للحاضر أو للمستقبل , الحقيقة أن بشار عبر بكل بساطة و حتى بسذاجة تميزه عن رؤيته الوحيدة الممكنة للعالم أو لسوريا , ستبقى هناك دائما دولة , ستبقى هناك دائما حكومة و سيبقى هناك مواطن – مواطنون – شعب , و ستبقى الحكومة و الدولة كما في الماضي حكومته و دولته و سيبقى هذا المواطن , هذا الشعب مجرد شيء , تابع , في هذه الدولة , و سيبقى هو الديكتاتور كما كان دائما لأن وعيه المريض بالاستبداد لا يستطيع تصور حالة أخرى أو شكلا آخر للحياة في سوريا , قدر هذا الشعب أن يبقى تحت سقف هذا “الوطن” , أي تحت سقف ديكتاتوريته , كل شيء آخر مسموح لكن طبعا تحت هذا السقف سقف الوطن – الديكتاتورية , لذلك يمكن تغيير أي شيء , أي قانون في سوريا هذه الخاصة به , حتى الدستور نفسه يمكن تغييره , ببساطة لأن هذا كله لا معنى له في سوريا الخاضعة بصرامة ( و التي ستستمر بهذا الخضوع طالما بقي هذا النظام ) لعساكر الفرقة الرابعة و الحرس الجمهوري و آلاف مؤلفة من عناصر المخابرات و الشبيحة , شيء واحد لا يمكن تغييره لأنه غير مكتوب أصلا و لأنه مفروض أصلا ليس كشيء اتفق عليه السوريون أو خاضع حتى لمناقشتهم أو قبولهم , لأنه مفروض عليهم بقوة المخابرات و الأمن و الفرقة الرابعة و سائر فرق الجيش عند اللزوم , لأنه الدستور و القانون الحقيقي الوحيد ساري المفعول في سوريا , و لأنه الدستور و القانون الحقيقي الفعلي الوحيد الذي لن يغيره النظام و لن يسمح بأن يكون مادة لأي حوار وطني أو مع الخارج أو أي حوار من أي شكل , هذا القانون الفعلي الوحيد الموجود هو السيطرة المطلقة لأجهزة المخابرات و الأمن التابعة للنظام و بالتالي سيطرته المطلقة على كل شيء في سوريا دون أن يكون لأي سوري من أي نوع أو طائفة أو دين أية حماية ما من هذا الغول الذي يحكم سوريا و يثبت سلطة نظام الأسد , سقف الوطن هذا لم يعد له وجود إلا في عقل بشار و ماهر و آصف , بدأ الناس في هذا الوطن منذ 18 آذار و هم يناضلون في سبيل حريتهم بدؤوا يفرضون سقفا جديدا للوطن , أي للوجود و الحياة المشتركة على الأرض التي تسمى سوريا أساسه الحرية لا العبودية لديكتاتورية بشار الأسد , بشار الأسد لا يستطيع إلا ترديد الهراء لأنه لا يملك غيره , لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يملك أن يقدمه للسوريين , ليس فقط الذين يهتفون للحرية اليوم بل لكل السوريين ما عدا القلة القليلة من المستفيدين من بقائه … ما فعله بشار هو أنه أكد للمرة الألف ربما أن نظامه غير قابل لأي تغيير أكثر من بعض الرتوش الشكلية فقط , يمكن تغيير كل القوانين حتى الدستور نفسه و يمكن أيضا رفع حالة الطوارئ , التي رفعت بالفعل , صدقوا أو لا تصدقوا , كل ذلك ليس إلا أشياء لا قيمة لها في سوريا الأسد , مجرد رتوش لحقيقة أعمق يعرفها كل سوري هي أن هذا النظام وجد و استمر و سيستمر فقط بحراسة أجهزة مخابرات منفلتة تماما , و هذه هي النقطة المركزية اليوم في قضية التغيير في سوريا , كلمة واحدة تختصر كل الصراع الذي يجري بين الشارع الثائر و بين النظام و أزلامه و شبيحته من جهة أخرى , ما دامت هذه الأجهزة موجودة و تتمتع بالحق في استباحة سوريا و شعبها فسيبقى كل السوريين مجرد عبيد , لا يمكن الحديث عن الحرية مع استمرار هذه الأجهزة , و من جهة أخرى يجب بعد إسقاط النظام ألا يكون من الممكن أن تظهر مؤسسات مشابهة ترتبط بطغمة أخرى على الإطلاق تحت أي مبرر , لكن دعونا الآن مع الدرس الأهم لخطاب بشار الثالث : الحرية اليوم في سوريا تعني شيئا واحدا فقط هو إسقاط ديكتاتورية بشار الأسد
ظر�| ��`6�x4ن مجزرة حماة التي مرّت بصمت عالمي سنة 1982، لن يمرّ مثلها الآن بصمت، فالأجيال الجديدة تعرف كيف تدافع عن مستقبلها، وكيف تتعامل مع الإنترنت والموبايل والقنوات الفضائية.
في البداية ادعى الإعلام السوري أن وراء التظاهرات جهات خارجية، فاعتُقِل أحد الناشطين المصرين وأُجبِر على الاعتراف على التلفزيون السوري الرسمي بأنه عميل لجهات أجنبية، ولكن النظام السوري اضطر لإطلاق سراحه بعد أيام، لأن ذلك المصري لديه جنسية أميركية. تحدّث الرجل حين وصل إلى مصر عما حدث معه فسقطت ألاعيب النظام السوري.
ولكن الإعلام السوري اخترع كذبة جديدة تقول إن بندر بن سلطان وراء ما يحدث، ثم تغيّرت التهمة إلى أن تيار الحريري في لبنان يهرِّب أموالاً وأسلحة إلى المتظاهرين في سوريا، ولكن سرعان ما انهارت هذه الأكاذيب، فادّعى النظام أن هناك مجموعات سلفية إسلامية مسلحة تقوم بإطلاق النار على المتظاهرين وعناصر الجيش والأمن، وفي الواقع وكما توضح صور الفيديو أن تلك المجموعات المسلَّحة إنما هي مجموعات أمنية وشبّيحة وفرق موت خاصة بالنظام، إلا إذا كان هناك مجموعات قادمة من الفضاء الخارجي ويتحفَّظ النظام على ذكرها لأسباب تتعلق بأمن سوريا التي عشت فيها قرابة خمسين عاماً، ولم أشعر فيها بالأمن ولو للحظة واحدة.
ترى من هو المتَّهَم القادم؟ أيكون أميركا أم إسرائيل أم تنظيم القاعدة أم أبا بكر أم عليّ أم الحلفاء ومن هم؟ أم الأعداء ومن هم؟
من المعروف مجازاً، وواقعياً إلى حد ما، أنه ما من طائر يستطيع المرور في سوريا بدون مساءلة أو تحقيق وأحياناً نتف ريش.
بين يدي الإعلام العالمي اليوم ما يكفي من الوثائق والأرقام والأسماء والفيديوهات التي تكذِّب النظام السوري وإعلامه.
ضاق النظام ذرعاً باستمرار التظاهرات فقرر الانتقام من مدينة درعا التي هي أمّ الثورة السورية بحق، فأرسل إليها أربع فرق عسكرية لتحاصرها ثم تقصف أحياءً عديدة منها، ثم تقطع الكهرباء والماء والاتصالات والأدوية، بل وتمنع الأهالي حتى من سحب جثث الضحايا من الشوارع. ربما توقّع النظام أنه يستطيع بذلك تأديب الشعب السوري وإخماد الثورة أو الانتفاضة، غير أن النتيجة جاءت على عكس ما يتوقع، إذ هبّت معظم المدن، لنجدة درعا المحاصرة، بتظاهرات حاشدة ما زالت تتسع رغم أعداد الضحايا المتزايدة التي تسقط يومياً بالرصاص الحي لقوات الأمن والشبّيحة.. ربما الرصاص الحي أرخص مادياً وأخلاقياً من الرصاص المطاطي الذي تحاول إسرائيل استخدامه أحياناً.
الآن وبعد حوالي شهرين على اندلاع التظاهرات وسقوط ما يزيد عن ألف شهيد، أي ما يقارب عدد شهداء الثورتين في تونس ومصر، يمكن القول إنه ما من مدينة أو بلدة أو قرية سورية إلا دفعت ضريبتها من أجل الحرية، فهل يريد النظام ثمناً أعلى؟
الدماء الغزيرة التي أراها على الصور المرسلة بوساطة كاميرات الفيديو أو الموبايل، أعداد الشهداء ونسبة عدد الأطفال بينهم، حالات القمع الانتقامي الجماعي وقصف المدن والأحياء بالمدافع والدبابات، كل ذلك لم يعد يقبل تأويلاً كما لا يقبل تكذيباً.
لم أرسل لأصدقائي الأوروبيين، من أفراد ومؤسسات، جميع أفلام الفيديو التي لدي، وذلك خوفاً من أن أتسبب لهم بصدمة، أو أن لا تحتمل أعصابهم رؤيتها.
لدي أفلام فيديو تكفي لاستقالة الله من منصبه في ألوهة لا يستطيع إليها سبيلاً. ومع ذلك ما زال الإعلام السوري الرسمي يحاول تغطية الشمس بغرابيله، وينفخ سمومه وأكاذيبه في قِرَبٍ مثقَّبَة وبالية.
لقد خسر النظام معركته الإعلامية، وإنها لدلالة رمزية بالغة الأهمية أنه لأول مرة في تاريخ سوريا المعاصر يستطيع الإعلام الشعبي البسيط أن يفضح الإعلام الرسمي ويهزمه بأدوات بسيطة ولكنها ذكية وماهرة وذات مصداقية عالية.
العالم بمجمله يعرف الآن حقيقة ودموية وفظائع ما يقوم به نظام الأسد وأمنه وشبيحته ضد الشعب السوري الموَّحَّد والأعزل والمسالم، ولذلك لم يعد في إمكان العديد من دول العالم تجاهل ردود فعل شعوبها.
ومع ذلك فإن الإعلام السوري الرسمي لا يزال ذا رائحة كريهة حقاً يشعر بها الجميع باستثنائه هو.




















