صموئيل فيليب هانتغتون الذي فارق الحياة في الرابع والعشرين من كانون الثاني 2008، أخذ علماً بأن الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية هو الأفرو أميركي وزميله في الحزب الديمقراطي باراك حسين أوباما. كما أخذ علماً بأن الحكومة القادمة للولايات المتحدة تضم 45% من الإثنيات المختلفة (غير الأنغلو ساكسونية)، وهي أكبر نسبة في تاريخ تشكيل حكومات الولايات المتحدة (في حكومة بوش الأخيرة بلغت 27%).
هذه رموز للتطور الديمغرافي الذي يترك آثاره الاجتماعية ـ الثقافية الفاعلة في "أرض الله المختارة"، الأمر الذي حذر هانتغتون منه في كتابه الأخير "من نحن" الصادر في عام 2004.
بفوز أوباما يدخل أول أفرو أميركي إلى البيت الابيض الذي بني بموجب نظام السخرة بأيدي أفرو أميركية فقط. إنه لنصر عظيم وتتويج تاريخي للحركة الاجتماعية الأميركية الشعبية التي انطلقت ضد نظام التفرقة العنصرية، وإن كانت لا تعني الزوال النهائي للعنصرية في الولايات المتحدة الأميركية. فبعد 140عاماً من الحصول على حق الانتخاب (عام 1870) و55 عاماً على صيف الحرية (عام 1964) والذي فرضت فيه حركات الاحتجاج الشعبية في الولايات الأميركية الجنوبية، إدراج أسماء المواطنين الأفروأميركيين في لوائح المنتخبين، يرمز انتخاب أوباما أيضاً لبعض ما حلم بتحقيقه وناضل من أجله مارتن لوثر كنغ، ومالكولم إكس وأنجيلا ديفيس.
حكومة أوباما والتغيير الموعود
لم يعنِ أوباما مطلقاً من شعار "التغيير" في حملته الانتخابية أنه يريد تغيير النظام، الأمر الذي كان يرمز إليه كبار الحركة الاجتماعية ضد التمييز العنصري أمثال "مالكولم إكس، وأنجيلا ديفيس" وغيرهما. وفي الوقت نفسه، لم يخفِ الكثيرون من متتبعي الحياة السياسية في الولايات المتحدة تشاؤمهم من أن لا يكون أوباما سوى "وجه بلون جديد للامبراطورية الأميركية" وأكثر المتشائمين كان نعوم تشومسكي إذ قال: "إن أوباما ليس إلا رجلاً أبيض نال جلده قسطاً وافراً من الشمس"!.
إن مناصري أوباما من ملايين الشباب الذين أبدعوا في حملات توزيع البيانات والملصقات وزيارات البيوت وحمل الناخبين إلى صناديق الاقتراع، وبكوا فرحاً مهللين في عرض البلاد وطولها في 4 تشرين الثاني 2008، الكثير من هؤلاء يتساءلون عن علاقة رجل مثل وزير الحربية روبرت غيتس أو الخبراء الاقتصاديين من حواريي (حرية السوق) والأعضاء السابقين في حكومة كلنتون (يلقبون كلينتونيستا Clintonistas) من أمثال لورنس زومرس مدير المجلس الاستشاري الاقتصادي، أوبول فولكر رئيس لجنة مكافحة الأزمة المالية، وتيموثي غايتنر وزير المالية، وأخيراً وليس آخراً هيلاري كلينتون للخارجية… ما علاقة كل هؤلاء بالتغيير الموعود؟
أغلبية المعلقين في أهم صحف الولايات المتحدة الأميركية، يجمعون على أن هذه الخيارات تتحكم بها درجة عالية من البراغماتية الطامحة إلى تشكيل فريق عمل من أصحاب الاختصاص (التكنوقراط) العلمي، والخبرة الفعلية كل في موقعه، فوق وعبر حدود الانتماء الحزبي. وهذا ما حصل فعلاً لدرجة لم يسبق لها مثيل من تجميع لكفاءات ذات خبرات عملية في مواقعها، نخبة من الأكاديميين بما في ذلك من حملة جائزة نوبل، فريق عمل للبيئة يلقب بالخلية الخضراء، ووزيرة للعمل من قادة الحزب المتجذرة في صفوف النقابات "هيلدا سوليس" ومندوبة في الأمم المتحدة "سوزان رايس" لا تخفي اتجاهها اليساري الليبرالي، وتوصف "بدماغ السياسة الخارجية"، وبأقرب المستشارين، كما يقول أوباما عنها.
إن توحيد صفوف الديمقراطيين، وكسب تأييد اطارات واسعة من الجمهوريين من أجل "سياسة الانفتاح الجديد" دفعت نحو الكثير من هذه الخيارات التي تبدو متناقضة مع ما وعد به وروج له على امتداد حقبة الانتخابات. إن الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالمجتمع الأميركي وانخراط أعداد كبيرة من الجيوش الأميركية في حروب لم يشهد لها مثيل منذ نهاية عهد نيكسون في القرن المنصرم، كلها تفرز تحديات شكلت الأرضية والدوافع الجوهرية للسلوك البراغماتي المشار إليه. "أندي شتيرن، رئيس نقابة العمال والمستخدمين سيوي (SEUI) الأميركية، لم تقلقه تعيينات أوباما لفريق حكمه غير الملتزمة بالحدود الحزبية، فهو يرى: "إن مركز التطور تحرك من يمين الوسط إلى يسار الوسط، وإن أيديولوجية حرية السوق قد خسرت مصداقيتها، والتقدميون مطالبون بأن يكونوا ويتصرفوا على مستوى الحدث. وبالنسبة لشتيرن يجب النظر إلى سلوك أوباما من هذا المنظار، فهذا ما سيقرر مصير التطور القادم.
إن نذر التغيير الأولى في خطوات الرئيس الجديد بعد أدائه للقسم الدستوري تجلت في: تعيينه السناتور السابق جورج ميتشل (من أصل لبناني/ إيرلندي) رائد الحل السلمي للصراع في شمال إيرلندة (أيام كلنتون) مندوباً مباشراً للشرق الأوسط، دون استشارة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، واعلان سوزان رايس من موقعها في الأمم المتحدة عن بدء الحوار مع إيران دون شروط مسبقة، وإعلان هيلاري كلينتون عن تعيين دنيس روس موفداً إلى طهران للعمل على تنظيم الحوار، وهو ذاك الرجل الذي اشتهر بعدائه لطهران وبقي حتى مؤخراً يطالب بمزيد من الاجراءات الاقتصادية ضدها والعزلة السياسية لها…
ويضاف لذلك خطاب أوباما المفتوح إلى العالم الإسلامي لفتح صفحة جديدة من العلاقات، والإيعاز إلى وزير الحربية العمل على التدقيق في كيفية تنظيم انسحاب القوات الأميركية من العراق ضمن اطار المهلة (16شهراً) المتفق عليها…
وعلى صعيد الداخل الأميركي يشار إلى توسيع أوباما برنامج إنعاش الاقتصاد الأميركي (819 مليار دولار) وتأكيد العزم على خلق 3 ـ 4 ملايين موقع عمل جديد خلال عامين، هذا في الوقت الذي رفض فيه رغبة دفينة لدى أوساط اليمين الجمهوري لتصفية الثلاثة الكبار في عالم صناعة السيارات (فورد وكرايسلر وجي إم) لما تعني مثل هذه الخطوة من تسريح 2،5 مليوني عامل، الأمر الذي يأمل اليمين من خلاله في الخلاص من أكبر نقابات عمال التعدين الأميركية والأكثر تنظيماً.
كما أن فكفكة الدولة البوليسية التي أنشأها حكم بوش بحجة محاربة الإرهاب على حساب الحريات العامة وحقوق الإنسان، وإخضاع كافة الممارسين لأنواع التعذيب أثناء التحقيق في معتقل غوانتانامو أو خارجه للملاحقة القانونية هي من الخطوات الأولى التي أثنت عليها جمعية حقوق الإنسان وجمعيات المجتمع المدني التي ناضلت طويلاً ضد الحكم التعسفي لنظام بوش وأتباعه.
إنها تحديات كبيرة في الداخل والخارج سيواجه فيها أوباما مبكراً الضغوط الهائلة من جهة دوائر البنتاغون والاحتكارات الكبرى ووسائط الإعلام المتماهية معها، وكذلك من دوائر واسعة من اليمين الجمهوري والديمقراطي. ويأتي التصويت في مجلس النواب على برنامح إنعاش الاقتصاد خير دليل على ذلك، حينما عارض كل الجمهوريين (188) صوتاً بالإضافة إلى 11 نائباً ديموقراطيّاً محافظاً يجمعهم رفضهم تدخل الدولة من جهة ومزيد من المساعدات الاقتصادية للفقراء والمعوزين من جهة ثانية.
فهل يكفي لمواجهة ذلك وإحداث التغيير المرجو، فريق للحكم يعج بالخبرات والكفاءات المشهود لها، كل في موقعه، من فوق الانتماءات والحدود الحزبية؟
الحزب الديمقراطي والتحديات الجديدة
أثناء حملة الترشيح والصراع مع هيلاري كلينتون، لم تتميز مواقف أوباما عن مواقف منافسته إلا في معارضته حرب العراق، مما وفر له التأييد الكاسح لما سمي بـ (Grass Roots) والتي لها يعود الفضل الرئيسي في حسم المعركة لصالح أوباما في ولاية أيوا الرازحة تحت غطاء سميك من الثلوج البيضاء (ولاية ذات أكثرية من السكان البيض)، وبعد ذلك فقط تحولت غالبية الأفرو أميركان من تأييد هيلاري كلينتون إلى تأييد أوباما.
كما تجدر الملاحظة أن غالبية قواعد الحزب الديمقراطي وقفت دوماً إلى اليسار من أوباما في كافة المواضيع السياسية المطروحة أثناء حملة الترشيح. وهنا يشير باحثون كثيرون في الشؤون السياسية والحزبية الأميركية إلى أن قيادة الحزب وقواعده أبدت مع حركة تأييد أوباما درجة عالية من النشاط عالي الكفاءة. وهي تبدو أكثر تقدمية مما كانت عليه قبل 16عاماً مع انتخاب كلينتون. ويشير هؤلاء إلى أن الجناح اليساري في الحزب Progressive Democrats of America لا يقل اليوم قوة وتأثيراً عن الجناح اليميني Democratic Leadership Council . ولذلك يشير بعض الباحثين الأميركيين إلى أن قاعدة الحزب لن تقبل أن تنتهي الوعود بالتغيير إلى مجرد سياسة (Bush Light) بوشية ملطفة.
وتشير أستاذة علوم التاريخ الأميركية باربار إبشتاين إلى الفرصة التاريخية التي توفرها لجان دعم أوباما من ثلاثة ملايين شابة وشاب من النشطاء الذين لعبوا دوراً كبيراً في تأمين فوز أوباما في 4 تشرين الثاني2008. وهي لجان تضم في صفوفها الكتلة الاجتماعية الإثنية الجديدة الناهضة في الولايات المتحدة. مع هذه الحشود من المناصرين والنشطاء يمكن ليسار الحزب ان يخوض معارك الضغط ضد اليمين ولدعم كل خطوة تعيد الاعتبار للدولة في بناء مجتمع الرفاه، ودعم الطبقات الشعبية والوسطى المهددة بالإفقار في مواجهة نتائج الركود الاقتصادي، الأمر الذي يشكل جوهر الوعود بالتغيير التي أطلقها أوباما، وفي مقدمتها: ضمان أجور وبدل تقاعد هذه الطبقات وتأمين صحي شامل تنظمه الدولة وتشرف عليه، حلم الملايين منذ عشرات السنين.
وهنا تبرز أهمية الاستفادة من التفسخ والصراع الذي يحتدم بين تشكيلات الرأسمالية الأميركية المختلفة. ويشجع الكثيرون على ضرورة عقد تحالف استراتيجي بين الرأسمالية "الوطنية" التي توجه إنتاجها لاحتياجات السوق الداخلية وبين النقابات ليصبح بذلك ممكناً رسم وتنفيذ سياسة (New Deal) الجديدة لما فيه مصلحة كافة هذه الفئات الاجتماعية.
مهام كبيرة يجري النقاش ويمتد الحوار حولها في أوساط المجتمع الأميركي الذي يغرق رويداً رويداً في ترهات الأزمة الاقتصادية بنتائجها الاجتماعية الكارثية مع اعتلاء أوباما سدة الحكم. ولنتذكر جميعاً أن سياسة (New Deal) الشهيرة التي حوت كافة الإجراءات، التي أمر بها الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت بين آذار وحزيران من عام 1933، والتي وضع بها لبنات دولة الرفاه الأميركية آنذاك، هذه السياسة لم ترَ النور إلا تحت ضغط تظاهرات الملايين (13 مليوناً) من العاطلين عن العمل والحركات النقابية والسياسية التقدمية في شوارع مدن الولايات المتحدة الأميركية آنذاك.
() كاتب لبناني مقيم في المانيا
"المستقبل"




















