"المحرقة اليهودية ايضاً تساعدنا على التفكير في الاخلاقيات وبالجريمة، لكنني لا أظن احداً يستطيع منع أي شخص آخر من استعمال هذه المفردات لأنها تعبّر بشكل مميز عن المحرقة، وإلا لما استطعنا أن نتكلم عن أي شيء. أعتقد، على خلاف ذلك، واحتراماً للمحرقة، انها الطريق لإعادة التفكير في الاخلاقيات، في السياسة، وفي المناقشة الفلسفية على اساس تصنيفات تبدو لنا معبّرة عن المحرقة، على سبيل المثال الصدمة، الاضطهاد، والوصية الآلهية لا تقتل".
جاك دريدا
(القدس، 8 كانون الاول 1998)
في هذا الحديث عن المحرقة في القدس منذ عشر سنين، تطرق المفكر الفرنسي ذو الاصول الجزائرية واليهودية جاك دريدا الى مسألة المحرقة، والى تسمية الاشياء، أو استعارة الاسماء مثل "المحرقة" للدلالة على حوادث أو افكار لا تتصل في الضرورة بالحدث الاصيل، اي المحرقة اليهودية في الحرب العالمية الثانية وهي، وإن انتهت تاريخياً فإنها لم تنته فصولاً وتفاعلات، لا بل تحوّلت في ما يشبه السرد الاسطوري الملحمي، من مأساة شعب واحد الى مأساة شعوب عدة. فالوجه الآخر للمحرقة اليهودية عملية استئصال الهوية الفلسطينية على مدى قرون، والتي خلفت ايضاً في احدى وجهاتها "المسألة اللبنانية" بحروبها المتتالية، كما "مجتمعات الصمود والتصدي" التي يرزح تحت قبضتها الستالينية الملايين في دول الجوار.
وإذا كانت هذه الصور التي تناقلها روّاد الانترنت في العالم العربي والاسلامي تشير الى اي شيء، فالى مدى الاهتمام بالمقارنة بين أعمال النازيين في الحرب العالمية الثانية وخصوصا في ما يخص "المسألة اليهودية" وبين أعمال "الصهاينة" منذ الحرب العالمية الثانية حتى "غزة 2009". إلا أن هذه المقارنة تبقى "حراماً" أو taboo في المجتمع اليهودي إذ هي تقلل من قداسة "المحرقة الاصلية" shoah التي يرفض بعض اليهود إعطاءها اي إسم آخر حتى عنوان الـ"holocaust" ذي الاصل اليوناني. لكن الصور بالفعل مذهلة من حيث المشابهة، حتى لو تميزت المحرقة اليهودية بتسخير كل الطاقات الابداعية والتكنولوجيا الحديثة الالمانية في مشروع متواصل من القتل الجماعي حوّل التكنولوجيا الى مكننة للموت الجماعي.
لكن المذهل هو كيف تحوّلت الضحية في العصر نفسه الى جلاد يستعمل بعض الادوات نفسها؟ وكيف قبل الملايين من اليهود في العالم أن يغمضوا أعينهم عن مجازر متلاحقة كان أخوة لهم يقترفونها في "الاراضي المقدسة"؟ في ما عدا بعض الاصوات اليهودية، بقيت الاكثرية صامتة تجاه ما يجري، وهي في صمتها هذا تشبه ايضاً صمت الملايين من المواطنين الالمان تجاه ما كان يجري خلال الحرب العالمية الثانية، والبعض منهم كان يسكن بالقرب من مخيمات الموت.
في الحديث نفسه الذي أدلى به جاك دريدا الى محاوره الاسرائيلي في القدس، تجرأ المفكر الفرنسي، ربما بسبب مناعته اليهودية، الى الاشارة الى تجذّر العنف في إسرائيل، أو ارتباطه بنوعين من العنف لا يزالان يحددان الوعي والهوية الاسرائيليين: العنف الموروث من المحرقة (وهو عنف الضحية) والعنف المورّث الى الفلسطينيين (وهو عنف الجلاد). تجرأ دريدا يومذاك بالقول: "إن تكوين دولة إسرائيل هو حدث لم يصل بعد الى نهايته، وهو ايضاً شديد العنف. تجاه هذه العلاقة بهذا العنف الاساسي والتأسيسي تتحرك الذاكرة".
فهل يا ترى تتحرك الذاكرة، لا بل الوعي اليهودي الاصلي، لقطع هذا الارتباط الدامي بهذا العنف المتأصل، أم نبقى في دوامة العنف؟ بالطبع لن يكون الجواب عن هذا السؤال عند بنيامين ناتنياهو أو إيهود باراك ¶
"النهار – الملحق الثقافي"




















