بعد غدٍ، تنعقد طاولة الحوار الوطني للمرة الثانية في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس ميشال سليمان. فهل تغيّر “شيء ما” منذ إنفضاض الجولة الأولى قبل نحو أربعين يوماً؟
النظام السوري المرتبك
بالفعل، ثمّة متغير أساسي على الصعيد الإقليمي. فقد أتت العملية العسكرية الأميركية داخل الأراضي السورية على الحدود مع العراق قبل أسبوع، تعلن نهاية “سريعة” للمرحلة الإقليمية الإنتقالية “الرمادية” التي استغرقت شهوراً عدة. وأظهر تعاطي النظام السوري مع العملية الأميركية إرتباكاً “نموذجياً”. من إبداء “التفاجؤ”، مروراً بـ”الهوبرة” المتمثلة بالتهديد بالرد “في حال تكررت العمليات الأميركية” وإقفال المركز والمدرسة الأميركيين في العاصمة السورية، وصولاً إلى “إخلاء” المراكز الحدودية مع العراق والإذعان لطلب التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة.
المشهد السوري: هشاشة أمنية إستثنائية
والحال أنه لا بدّ من وضع الإرتباك الذي أظهره النظام السوري حيال “عملية البوكمال” في سياق محدد.
فمنذ أكثر من عام، تقدم سوريا مشهداً أمنيا, سياسياً غير مسبوق. خلال هذه الفترة شهد “المسرح السوري” مجموعة من الأحداث. القصف الإسرائيلي للموقع السوري النووي في دير الزور.. وفتح ملف النووي السوري دولياً. إغتيال القيادي في “حزب الله” عماد مغنية وإغتيال الضابط السوري محمد سليمان. الانفجار في دمشق. والإنزال الأميركي في “البوكمال” مؤخراً.
بعيداً من أي تحليل “خاص” لهذه الأحداث، فإن المشهد السوري بفيدُ أن سوريا في حال من الهشاشة الأمنية الإستثنائية. ويفيد ان سوريا “ساحة” لإختراقات مخابراتية شتى، أميركية وإسرائيلية و”أصولية”.. أما في السياسة، فالمشهد ليس أقل هشاشة.
من التهديد بالرد على القصف الإسرائيلي لموقع دير الزور إلى الركض باتجاه استجداء تفاوض مع إسرائيل بوساطة تركية. ومن “الممانعة” إلى الرضوخ لدفتر الشروط الأميركي ـــ الأوروبي. ومن التحالف مع إيران إلى التوسط بينها وبين الغرب على مطالب الغرب. ومن التشاطر والمراوغة وكسب الوقت إلى “الإلتزام الشاطر” بما يُطلب منه. ومن محاولة “بيع” أوراق وشراء سعرها إلى تقديم الأوراق في إنتظار أن “يسعّرها” المجتمع الدولي..
..وإهتزازٌ سياسي
المشهد من سوريا يفيد إذاً ليس فقط أن ثمّة هشاشة أمنية وإرتباكاً سياسياً، بل أن ثمّة في دمشق نظاماً مريضاً ومهتزاً. وهذا هو المتغيّر الأساسي على الصعيد الإقليمي، الذي “تبلور” أكثر فأكثر في الاسابيع الماضية، والذي يرجّح أن “تُظهّره“ الفترة المقبلة، خصوصاً مع إقتراب نهاية التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومع إقتراب إنطلاق المحكمة الدولية.
»حزب الله« يرى الوضع المريض
حيال هذا “المشهد السوري”، يُعطي “حزب الله” إشارات سياسية من المهم التوقف عندها.
لا يمكن تخيل أن الحزب “لا يرى” ما يجري في سوريا وآثاره على النظام. والدليل العملي هو أنه طلب من قياداته وكوادره عدم الذهاب إلى سوريا المخترقة من شتى المخابرات.. وأنه بحسب المعلومات راقب مستنفِراً الإنتشار السوري على الحدود مع لبنان.
غير أنه في المقابل “يحاول” الإيحاء بأن المتغير الذي يمثله المشهد السوري لا يؤثر عليه ولا تصيبه تداعياته السياسية. بل يحاول التصرّف على أساس أنه إذا كان النظام السوري مريضاً ومهتزاً، فإنه هو “الوريث” و”الحامي” لجماعة النظام.
ألقى “حزب الله” القبض تماماً منذ مدة على الجنرال وكرّسه في “محوره” بالزيارة التي قام بها هذا الأخير إلى إيران. ويلقي القبض تباعاً على “جماعة سوريا” من سائر الطوائف. والحال أن ذلك ليس نهجاً جديداً لدى “حزب الله”. فذلك كان نهجه في العام 2005 عند الانسحاب السوري من لبنان إذ أخذ على عاتقه “إستيعاب” التركة السورية.
ويكرر 2005: الإهتمام بـ»الوراثة«
بيد أن ثمة فارقاً يتجاهله “حزب الله” ـــ ولا يجهله ـــ بين الإنسحاب السوري من لبنان وبين أن يكون الوضع السوري نفسه على هذا القدر من الإضطراب. خروج النظام السوري من لبنان “شيء” وخروجه من “المعادلة” شيء آخر.
إذاً، وفيما يُفترض منطقياً أن يشكل المتغيّر الإقليمي الذي يمثله المشهد السوري الراهن، “مناسبة” لأن يراجع الجميع حساباته باتجاه تشكيل “الحماية اللبنانية الذاتية” أي “شبكة الأمان” اللبنانية الصرفة، يبدو أن “حزب الله” ـــ بذاته وبإعتباره العمود الفقري لفريق 8 آذار ـــ يتصرّف على أساس أن شيئاً لا “يضيمه”. وكما في 2005 عندما عرضت 14 آذار عليه تشكيل “شبكة الأمان” يكرر “حزب الله” تأكيد “إهتمامه” بوراثة “جماعة سوريا”، غير منتبه أنه هو نفسه ليس هو نفسه مع المتغير السوري.
وإذا كان لا بد من فتح قوسين في هذا السياق، وهو أمر لا بد منه فعلاً، يمكن القول إن المصالحات أو المصارحات التي كان الحزب طرفاً فيها، سواء مع “تيار المستقبل” أو مع “الحزب التقدمي الاشتراكي”، لم تشكل “قطعاً” مع رؤيته المشار إليها آنفاً إلى الوضع اللبناني في موازاة التطورات الإقليمية وأبرزها المشهد السوري الراهن. أي أن المصالحات أو المصارحات على أهميتها خفضاً للتوتر وتبريداً للأجواء، يتعامل “حزب الله” معها على أساس أن تكون “مظلة” لبقائه على الرؤية نفسها.
توسيع الحوار لـ»تطبيع« الوضع الانتخابي مسبقاً
يترتب على ذلك، اي على رؤية “حزب الله” حيال ما يتغير حول لبنان، أمران رئيسيان.
الأول، هو أن لا تغيير في موقفه من مناقشة موضوع سلاحه على طاولة الحوار، ولا في مقاربته لمسألة “الإستراتيجية الدفاعية” بما هي إستراتيجية دفاعية لـ”الدولة”.
والثاني، هو ما يقع تحت عنوان “توسيع الحوار” مشاركةً وجدولَ أعمال. إن إصرار “حزب الله” على توسيع المشاركة يندرج في عدة خانات معاً. إظهار الإحتضان لـ”جماعة سوريا” أولاً. ولما كان “مطلب” التوسيع متناقضاً مع طبيعة الطاولة منذ حوار 2006 حتى مؤتمر الدوحة، والقائمة على مشاركة الأطراف الممثلين في المجلس النيابي، فإن ما يهدف “حزب الله” إليه هو “تطبيع” الوضع السياسي على نتائج انتخابية قررها سلفاً بنفسه ثانياً. أي رسم الصورة الانتخابية مسبقاً، مع ما يعنيه ذلك من “تسلح” بأطراف يوالونه ضد الاستراتيجية الدفاعية للدولة ثالثاً.
إذاً، حصلت متغيرات منذ الجولة الأولى للحوار قبل اربعين يوماً. لكن المتغيرات تلك لم تغيّر مقاربة “حزب الله” وموقعه. ولذلك، لا يصح توقع أن تسفر الجولة الثانية بعد غد عن تقدم.
الحريري.. وما بعد الإنتخابات
من ناحيته، كان زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري حاسماً في وعيه لـ”اللحظة”. ففي قوله قبل أيام إن إنضاج الإستراتيجية الدفاعية، يحتاج إلى وقت، وعيٌ باللحظة ومعطياتها. وفي رفضه توسيع طاولة الحوار، وإشارته إلى إمكان توسيعها بعد الإنتخابات وعيٌ بعامل الوقت. غير أن ثمّة جانباً آخر: رفض الحريري التوسيع قبل الإنتخابات هو رفضٌ لـ”تطبيع نتائج الإنتخابات” من جهة وهو إعلانٌ بأن المرحلة هي الذهاب إلى الإنتخابات وخوض الصراع الانتخابي لـ”تحسم” العملية السياسية الديموقراطية طبيعة التوازن السياسي من جهة أخرى.
من هنا، فإن مؤتمر الحوار في بعبدا سيبقى قائماً كإطار في الفترة الفاصلة عن الإنتخابات، من دون اي توقع بأن تتمخض عن جلساته أمور أساسية.
"المستقبل"




















