وليد شقير
باتت المصالحة العربية – العربية والمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية شأناً دولياً وإقليمياً يتعدى النطاق العربي، فأنقرة تتحدث عن هاتين المصالحتين والموفد الأميركي الخاص بمفاوضات السلام في المنطقة جورج ميتشل يتحدث عن المصالحة الثانية وعن قيام حكومة وحدة وطنية بين الفلسطينيين تتيح تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والانتقال الى تهدئة فعلية تدوم سنة ونصف السنة تجري خلالها مفاوضات حول الوضع النهائي.
وليس جديداً أن دولاً غربية وإسرائيل تعتبر أن غياب موقف فلسطيني موحد هو الذي يعيق التفاوض. فهذه الدول (وإسرائيل أيضاً) مغتبطة من الانقسام الفلسطيني لأنه يوفر عليها أي تهمة بأنها تتلكأ في ممارسة ضغوطها على إسرائيل لتقدم التنازلات في التفاوض مع الجانب الفلسطيني، والحجة هي أن هذا الجانب الفلسطيني منقسم على نفسه. أما الإسرائيلي فإن فرحه مضاعف، لأن ما سعى آرييل شارون الى تحقيقه في العام 2002 بالقوة، أي إلغاء الشريك المفاوض عبر اجتياحه الضفة الغربية والإجراءات من جانب واحد التي قام بها (الجدار، تصاعد الاستيطان، الاغتيالات والتهجير…) يستكمل الشريك نفسه إنجازه. فهو بانقسامه على نفسه يلغي موقعه في الشراكة التفاوضية. والسخرية في الموضوع تكمن تحديداً في الملاحظة التي ساقها الرئيس التركي عبدالله غُل أول من أمس في كلمته أمام مجلس الشورى السعودي حين انتقد وجود دولتين فلسطينيتين، وقال إنه «لو طبّق اتفاق مكة (المصالحة الفلسطينية العام 2007 والتي سقطت بانقلاب غزة) لكانت القضية في موقع أقوى». أي أن الفلسطينيين أنشأوا سلطتين في الضفة وغزة ما أخذ يحول دون التفاوض على دولتهم وانتزاع اعتراف كامل بقيامها من إسرائيل والمجتمع الدولي.
لقد بات الانقسام الفلسطيني يحول دون استثمار التضحيات التي دفعها الشعب منذ انتفاضة عام 2000، وأمام الغزوات الإسرائيلية المتتالية في الضفة الغربية والحصار عليها وعلى غزة وصولاً الى الحرب الهمجية الأخيرة. فنتائج هذه التضحيات كانت فشل إسرائيل في إلغاء الإرادة الوطنية الفلسطينية، واقتناع المزيد من دول العالم بأنه لم يعد في إمكان الدولة العبرية الاستمرار في سياسة القوة والبطش وأن تأييد الإدارة الأميركية السابقة الأعمى لإسرائيل ورفض الاعتراف بفوز «حماس» في الانتخابات انقلبا على مصالح أميركا نفسها.
وبغض النظر عن الانتقادات الموجهة الى القيادات الفلسطينية التي أخذت شعبها الى مواجهات غير متكافئة في السنوات الأخيرة، فإن نتائج التضحيات التي بذلت تبقى غير قابلة للاستثمار بسبب الانقسام الداخلي. وإذا كانت عواصم إقليمية وغربية تنتظر المصالحة كل لسببه، سواء نتيجة الغيرة على المصلحة العربية والإسلامية (في حال تركيا مثلاً) أو نتيجة المناورة في حال واشنطن والغرب، فإن هذا الاستحقاق يخضع للتجاذب نفسه الذي يتحكم بالخلاف العربي – العربي.
فجهود المصالحة فشلت في الخريف الماضي قبل حرب إسرائيل على غزة بسبب إصرار سورية على أن تتم في دمشق لا في القاهرة، في وقت كانت القاهرة تتولى الحوار بين «حماس» و «فتح» حولها، وعاد المجتمع الدولي فكلفها بالأمر عبر القرار الدولي 1860 (حين نص على دعم المبادرة المصرية). وفشلت المصالحة في الخريف نتيجة اشتراطات من نوع جلوس الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لـ «حماس» خالد مشعل على منصة واحدة. وهي اشتراطات دلت على أن قرار المصالحة لم يؤخذ بعد في طهران ودمشق…
ولا يبدو، حتى الآن أن القرار اتخذ، لا في طهران ولا في دمشق، لأن السجال ما زال على حاله، حول أين ومتى وعن طريق من تتم إعادة توحيد الموقف الفلسطيني؟
وواقع الحال أن الاتصالات التي أجريت خلال الأسبوعين الماضيين لتفعيل مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بإنهاء الخلافات العربية وتحديداً مع سورية دلّت الى أن دمشق تريد ترتيب علاقتها مع السعودية من دون مصر، حتى لا تضطر الى التزامات معينة في رعاية مصر لعملية تنفيذ القرار 1860 في غزة، فيما السعودية تدرك أن ترتيب العلاقة السعودية – السورية لا يصمد إذا لم يترافق مع تجاوب دمشق مع مطالب القاهرة بأن تساهم سورية مع «حماس» وسائر الفصائل الفلسطينية في تثبيت وقف النار وفي تسهيل محادثات المصالحة الفلسطينية في 22 الجاري في القاهرة.
هل أن الجواب على دور مصر جاء بإطلاق صواريخ من غزة على جنوب إسرائيل آخر الأسبوع الماضي، ثم بالعثور على صواريخ غير معدة للتفجير جنوب لبنان، قرب بلدة الناقورة؟ وهل هذه هي الأجوبة الفعلية، بالتالي، على المصالحات؟



















