صدر في جريدة "النهار" يوم الاثنين 9 شباط 2009، مقال للاستاذ الجامعي جورج م. عيد(•) استهله بعدد من الفرضيات حول موضوع مزارع شبعا نعتبرها في غير محلها ونعتذر عن تصحيحها، لكنه من واجبنا القيام بذلك لان تكرارها قد يعتبر "رأيا عاما" وقد يعطى مفاعيل في القانون الدولي العام. وقد نشرنا مقالات عدة في الصحافة اللبنانية حول هذا الموضوع وفي صحيفة "النهار" تحديدا تحمل كل المراجع التي استندنا إليها في مواقفنا: في 6 كانون الأول 2001، و4 أيار 2004، و8 نيسان 2005، و15 آب 2005، و17 شباط 2006، و14 حزيران 2006، و6 آب 2007 (مزارع شبعا: الأخطاء الشائعة)، و 4 آب 2008 (أما الآن فماذا عن الترسيم؟)، كما أصدرنا كتابين في الموضوع باللغة الفرنسية عامي 2001 و2005 (الوضعية القانونية لمزارع شبعا في إطار القانون الدولي المطبق على الدول الحديثة المنشأ – منشورات دار مختارات) توجد فيها كل المراجع التي نستند إليها.
يقول الأستاذ عيد إن مساحة مزارع شبعا تبلغ 25 كلم مربعا. وهذا أول خطأ إذ إن المنطقة ممسوحة لكن ليس هناك "مساحة" دقيقة للأراضي، فضلا عن ان المالكين كانوا يعطون للدوائر تصريحات غير دقيقة من اجل تفادي دفع رسوم باهظة في حال البيع أو الانتقال بالإرث، فكانوا يصرحون عن مساحات اقل مما هي في الحقيقة. وأكدت الدولة اللبنانية بأن مساحة المزارع تقارب 200 كلم2. فيقتضي التصحيح.
ثم أكد الأستاذ عيد بأن إسرائيل احتلت المزارع في حرب الأيام الستة في حزيران 1967 وهذا خطأ جسيم ثانٍ. فهذا ما زعمته إسرائيل عام 2000 ! إلا إننا نصر أن يطلَب من إسرائيل إثبات مزاعمها، إذ لن تستطيع. فالمزارع بدأت تحتل بعد الحرب، لكن الاحتلال الأساسي حصل عام 1970. وهناك كتاب من رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مئير، كما هناك شرح كافٍ ووافٍ للاحتلال في الصحف الإسرائيلية والأميركية مع وصف جغرافي للمنطقة المحتلة تحمل أيضا أسماء القرى والمحلات لكن كما تكتب أو تلفظ في العبرية.
أما اعتبار ان المزارع كانت تحت السيادة السورية منذ 1958 فهذا أمر بغاية الخطورة. فلم تخرج الأراضي عن السيادة اللبنانية أبدا لكن الدولة اللبنانية سمحت للقوات السورية أن تقيم مركز مراقبة في مزرعة زبدين ثم مركزا للجمرك وذلك في أوائل الخمسينات قبل الثورة بسنوات. فعدم تواجد القوى الأمنية اللبنانية في المزارع كان طوعا وبالتراضي بين الدولتين ولا يمكن أن يعني لا من قريب ولا من بعيد انه تنازل عن السيادة. فللتنازل عن السيادة أصول وقواعد في القانون الدولي العام. وإذا كان المقصود هو الوجود الفعلي فيقتضي التصويب والعدول عن استعمال كلمة "سيادة".
ثم اعتبر الأستاذ عيد انه "لم تنشأ مسألة لبنانية مزارع شبعا إلا بعد أسابيع فقط من تحرير المناطق المحتلة في جنوب لبنان والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي في ايار 2000" وهذا عدم معرفة بالوقائع ويمكن مراجعة أرشيف جريدة "النهار" و"الاوريان لوجور" لعام 1970 و1971 للتأكد من الخطأ. إضافة إلى ذلك وفي عام 1983، خلال عملية التفاوض بين الإسرائيليين واللبنانيين قبيل توقيع اتفاقية 17 أيار تحت رعاية الأميركيين، وعد الطرف الإسرائيلي لبنان (وليس سوريا!!) بإعادة 6 من اصل 13 مزرعة محتلة (المزرعة 14 احتلت عام 1989) شرط إعطاء المياه لاسرائيل ولم يوافق لبنان. وكان الوفد المفاوض يضم الأستاذ غسان تويني والوزير الدكتور ايلي سالم، والسفير أنطوان فتال، وكان ذلك في عهد الرئيس أمين الجميل. وهذا دليل بأن المشكلة لم تبرز في عام 2000 بل هي أقدم بكثير. أما توقيت المطالبة، فهو من صلاحية الدول الاستنسابية ولا أحد يفرض على الدول توقيتا معينا لطرح المسائل. إذ يقتضي إيجاد الظروف المناسبة لذلك.
أما الخطأ الإضافي فهو اعتبار أنّه "ومنذ ذلك التاريخ (أي عام 2000)، دأبت الحكومة السورية في الإعلان شفهيا على لسان كبار مسؤوليها ان مزارع شبعا لبنانية،" ويبدو إن الأستاذ عيد لم يطلع على محاضر ترسيم الحدود اللبنانية – السورية لعام 1964 التي نصت بالحبر الأسود بان مزارع شبعا هي لبنانية.
أكتفي بهذا الحد من الملاحظات ولن أدخل في النتائج التي بنيت على الوقائع المغلوطة الواردة في الأسطر الاولى من المقال. لكن يجب أن يقتنع اللبنانيون بأن المزارع هي للبنان. وحتى ولو فرضنا جدلا بأن سوريا "احتلتها" رغما عن إرادة لبنان، إلا إن الاحتلال لا ينتج مفاعيل في القانون الدولي العام، ولا يمكن السيادة أن تنتقل إلا بشكل صريح لا لبس فيه. فلبنان لم يتنازل يوما عن سيادته على تلك الأراضي كما ان إسرائيل تعرف كامل المعرفة بتلك الوقائع.
أما مسألة الحدود التي تصل إليها تلك المزارع، فيجب تضمين المطالبة كل الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وبالأخص، بلدة النخيلة التي تقع بعد المزارع جنوبا، ولقد تحدثنا عن الموضوع في مقالنا الذي نشر في "النهار" في 4 آب 2008 بعنوان "أما الآن فماذا عن الترسيم؟" المذكور أعلاه.
على العموم، إن العرقلة في المفاوضات حول مزارع شبعا والمناطق الأخرى التي قضمتها إسرائيل وضمتها عام 1989 خلافا للقانون الدولي، تأتي خاصة من الطرف الإسرائيلي الذي يسنده صديقه الأميركي الذي يكرر بأنه يفضل الحل بالطرق السياسية، رافضا الاستناد إلى القانون. وهذا يعني إن الطرف الأميركي يريد إرغام لبنان على تقديم تنازلات إلى إسرائيل في حين يتذرع لبنان بأقوى سلاح يمتلكه وهو القرار 425. فالصراع اليوم هو حول المياه التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها والتي تجعلها تأبى إرجاع الأرض إلى لبنان ولو أعطت بذلك "عذرا" لـ"حزب الله" للبقاء في منطق المقاومة. إن الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل هي أكبر من حجم مزارع شبعا، هي حرب إيديولوجية عميقة الجذور، قد تكبحها استعادة مزارع شبعا لكنها لن توقفها كليا، لذلك من المهم جدا أن يتابع الحوار بين كل الافرقاء اللبنانيين ويجري الاتفاق ليس على الاستراتيجية الدفاعية فقط، بل على كل الخيارات الاستراتيجية في البلد، بصراحة وبشفافية كاملتين. فهذا أقل ما يتوجب من القياديين تجاه الشعب اللبناني الذي سينتخب نوابه قريبا.
(•) جورج م. عيد – الحل في مزارع شبعا يفصل الوضع في لبنان عن الوضع في المنطقة – "النهار" (ص9)
(محامية – أستاذة جامعية في القانون الدولي العام)
"النهار"




















