يمكن القول وبكل تأكيد – أن الانتخابات الرئاسية الاميركية التي جرت في الرابع من نوفمبر 2008 هي انتخابات مفصلية وتاريخية في تاريخ الولايات المتحدة،إذ غالباً ما يعدد المؤرخون المختصون بالتاريخ السياسي للولايات المتحدة عشر انتخابات حاسمة أو مفصلية، هي عام 1792 التي جاءت بجورج واشنطن، والتي لم تكن انتخابات بالمعنى الحقيقي بقدر ما لعبت دوراً في تأسيس النظام السياسي الانتخابي للولايات المتحدة الذي خضع لتغيرات بسيطة للغاية فيما بعد، وظل في مجمله وفياً للقواعد التي أرساها واشنطن، وانتخابات عام 1800 التي جاءت بتوماس جيفرسون، و1828 أندرو جاكسون، 1860 ابراهام لينكولن، 1896 وليام مكينلي، 1912 وودرو ويلسون، 1932 فرانكلين روزفلت، 1964 ليندون جونسون، 1980 ريغان، 2000 جورج بوش الابن.
وذلك لا يعود فقط إلى قدوم رئيس أميركي من أصول أفريقية إلى البيت الأبيض لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، وإنما يرجع أيضاً إلى نجاح النظام السياسي والاجتماعي الاميركي في دمج السود بعد تاريخ طويل من العبودية والتمييز القانوني والسياسي والتعليمي والاقتصادي، فأوباما لم يصل إلى البيت الأبيض بوصفه أسود وإنما بقدر ما استطاع اقناع الناخبين الاميركيين ببرامجه التفصيلية في القطاع المالي والصحي والتعليمي وموقفه من الحرب ضد العراق.
يضاف إلى ذلك بكل تأكيد الإرث الثقيل الذي سيرثه أوباما من الرئيس الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، الرئيس جورج بوش، لجهة دخوله في حربين مكلفتين للغاية دون وجود أي بوادر نجاح في أي منهما، بل إن الفشل الأمني على مستوى استقرار البلدين يؤشر إلى مدى حجم " الورطة " الاميركية في العراق وأفغانستان.
وفوق ذلك كله أزمة مالية خانقة أثرت بكل تأكيد في حيوية الاقتصاد الاميركي وفي الثقة المالية فيه، ويحتاج إعادة إحيائها إلى سنوات ليست بالقليلة مع ما يترافق ذلك من عجز كبير في الميزانية.
عكس نجاح أوباما في الوصول إلى سدة الرئاسية انفتاح النظام الأميركي وقدرته على التجدد لا سيما أن الأمة الاميركية إذا صح هذا التعبير هي أمة من المهاجرين، وقد درس أوباما وترعرع في أفضل المدارس والجامعات الأميركية فقد درس في جامعة هارفرد العريقة، وأصبح رئيساً لتحرير مجلة الحقوق فيها، وعمل فيما بعد في الجمعيات الخيرية والمساعدة الاجتماعية في شيكاغو، المدينة التي استقر فيها وأصبح عضواً في مجلس الشيوخ فيها، ثم عضواً في مجلس الشيوخ الفيدرالي عن ولاية إلينوي.
خبرة أوباما الشخصية تلك سيكون لها بكل تأكيد تأثير في سياساته الداخلية والخارجية، فهو دائماً ما كان يعتمد في خطاباته على خبرته الشخصية تلك وفرادتها وتنوعها، ليؤكد على فكرة الفرص والأمل ونجاحها في المجتمع الأميركي وقد كتب كتابين سطر فيهما مذكراته عن تلك السنوات التي كان لها التأثير الأكبر في حياته.
ما ميز أوباما بكل تأكيد عن غيره من المرشحين من الحزب الديمقراطي في البداية ثم غريمه في الانتخابات العامة ماكين، هو قدرته على الخطابة والتأثير في الجمهور وبشكل خاص تحفيز الشباب وتحركيهم وإلى ذلك يرجع بشكل رئيسي فوزه في الانتخابات العامة، لقد تمكن من التأثير فيهم وحقنهم بالأمل والقدرة على التغيير، وساعده سنه الصغير نسبياً في ذلك، وكان لشعاره الانتخابي تأثير السحر في مخاطبة جمهوره (Yes, We can) (نعم، نحن نستطيع) ويقصد به، أننا نحن المواطنين العاديين البسطاء نستطيع القيام بالتغيير الضروري لأمتنا وتحقيق الأمل لها، لقد قام متطوعوا أوباما على سبيل المثال في ولاية واحدة كأهايو التي تعتبر من الولايات الحرجة والحاسمة بطرق باب مليون منزل في يوم الاثنين الانتخابي فقط، من أجل حضهم على الانتخاب والتصويت لأوباما، لقد ملأهم بالطاقة التغييرية الضرورية التي ألهبت حماسة الكثير من الجمهور والسياسيين أيضاً وهو ما دفعهم لدعمه تباعاً.
وفي النهاية حصل أوباما على أصوات الناخبين الأميركيين أكثر مما حصل أي رئيس أميركي آخر في تاريخ الانتخابات الرئاسية الاميركية وقد حصل على الدعم الأكبر من الأقليات التي تشكل بمجموعها ما يعادل 32% من المجتمع الأميركي، فقد حصل على 54% من أصوات الكاثوليك، 66% من اصوات الأميركيين من أصل لاتيني، و86 % من الناخبين الذين ذهبوا للتصويت للمرة الأولى. وهو ما يعكس حجم التأييد الكبير الذي حصل عليه من داخل شرائح اجتماعية مهمة داخل الولايات المتحدة، وبالوقت نفسه التلون الكبير في خريطة داعميه وقاعدته الانتخابية.
إن قصة أوباما لوحدها ربما ألهمت الكثيرين غيره وهي ما دفعتهم للتصويت له بكثافة، إذ إن أوباما لا ينتمي لعائلة سياسية عريقة كعائلة روزفلت أو آدامز أو بوش أو كيندي، وإنما قدرته على صنع نفسه بنفسه وحقن الناس بالأمل على التغيير الذي يصبون إليه، وساعده بشكل رئيسي تذمر الناس بشكل كبير من سياسات الرئيس بوش الابن وأتى توقيت الأزمة المالية قبل شهر من الانتخابات ليعطي أوباما أفضل هدية لم يتوقعها في حياته، فإذا عدنا إلى العوامل الرئيسية التي كمنت خلف التصويت لأوباما لوجدنا أن 63% من الناخبين الاميركيين احتل الاقتصاد بالنسبة لهم الأولوية الرئيسية، 53% من هؤلاء صوتوا لصالح أوباما، ثم جاءت حرب العراق بنسبة 10%، والإرهاب 9%، ثم الرعاية الصحية 9%، وأخيراً الطاقة بنسبة 7%.
وما سيساعد أوباما بشكل كبير في تمرير الإصلاحات التي يرغب هو حصول الديمقراطيين على الأغلبية في مجلس الشيوخ 59 مقعداً، لكنهم لم يصلوا إلى الأغلبية المطلقة الـ60 مقعداً التي تسمح لهم بالقيام ببعض التعديلات الدستورية دون الحاجة إلى الرجوع إلى رأي الأقلية الجمهورية. وكذلك حصلوا على أغلبية في مجلس النواب بما يعادل 252 مقعداً في حين حصل الجمهوريون على 173 مقعداً.
() باحث زائر في جامعة هارفرد
"المستقبل"




















