تابع المسؤولون الأتراك، خلال الحرب الإسرائيلية على غزة وبعدها، تفاصيل التسوية الممكنة لتثبيت وقف إطلاق النار، وتحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية.. هذا فضلاً عن متابعة ملف التفاوض السوري الإسرائيلي متى توفرت ظروف ملائمة، ومسار الأزمة العراقية في اطار دول الجوار الاقليمي.. ولعل المشادّة الكلامية بين شيمون بيريز ورجب طيب اردوغان في منتدى دافوس، سلّطت الأضواء على دور تركي لافت في الشرق الأوسط.
يركّز المسؤولون الأتراك على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي من حيث العمل لوحدة فلسطينية تنهي حال التشرذم، وإعادة إعمار ما خرّبته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة بالتزامن مع فتح المعابر، وإنهاء الحصار الاقتصادي والأمني الذي تفرضه إسرائيل منذ وقت طويل.
بالطبع لا تستطيع القيادة التركية الحلول مكان القوى الفلسطينية المتنازعة على سلطة باهتة، والمختلفة على برنامج سياسي لم ينضج بعد، وبعضها أضاع دور منظمة التحرير الفلسطينية منذ عقود! ما فعلته هذه القيادة، حتى الآن، هو الاتفاق مع دمشق على تجميد المفاوضات مع إسرائيل علماً بأن تفاهماً سياسياً كان سيتحقق لولا الاختلاف على بضع عبارات، كما أفصح رئيس الحكومة التركية اردوغان.
إلى ذلك، قامت القيادة التركية وتقوم بدور لافت من أجل معالجة ملف قطاع غزة، وهي التي أرسلت سابقاً مراقبين أتراكاً إلى مدينة الخليل لتثبيت الهدوء بعد تنازع فلسطيني مع المستوطنين الإسرائيليين، وقد ترسل لاحقاً مراقبين مدنيين لمراقبة معابر غزة. هذا كله في الوقت الذي يتابع حزب "العدالة والتنمية" الحاكم تطوير العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون الخليجي وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، ويساهم في شكل أو في آخر في تحقيق الاستقرار الداخلي اللبناني.. إضافة إلى وضع تصور استراتيجي للعلاقات الايرانية ـ التركية، سيمتد إلى عقود مقبلة، مدعوماً بمجموعة اتفاقيات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية انطلاقاً من العمل المشترك في مجموعة دول الجوار الاقليمي للعراق.
بعض العرب قد يتصوّر ان الدور التركي سيضع حداً لدور إيراني في الشرق الأوسط، من منطلق مذهبي، وانه يمكن الإفادة من دور تركيا في تعزيز قدرات محور الاعتدال العربي في مقابل محور الممانعة، أو التطرّف، كما صنّفت الإدارة الأميركية السابقة.. هذا وهم جديد يضاف إلى أوهام سابقة، فالدولة التركية تتصرف كدولة لها مصالح وأهداف استراتيجية، وكذلك تفعل الدولة الايرانية.
من المعروف ان تركيا نجحت في وضع اتفاقية لتقاسم المياه مع سوريا والعراق، وقد تأخذ طريق التنفيذ قريباً بعد إتمام الإجراءات الدستورية السيادية في كل دولة. هذا سيعطي لأنقرة مزيداً من النفوذ السياسي الاقليمي في معالجة ملفات العراق وفلسطين وربما أبعد من ذلك..
في الاطار الاقليمي الشرق أوسطي، تتجه مفاوضات نيويورك بمشاركة الاتحاد الأوروبي وتركيا واليونان نحو حل مقبول للأزمة القبرصة الممتدة منذ العام 1974، مع تحسّن العلاقات التركية ـ اليونانية منذ سنوات وتجاوز مرحلة الانقسام القومي والجيوسياسي التي طغت في الحرب الباردة. هذا بالإضافة إلى إيجاد مناخ جديد في منطقة القوقاز المجاورة بعد الزيارة التاريخية للرئيس التركي عبدالله غول إلى ارمينيا، ومحاولة تجاوز الموروث التاريخي الثقيل.
هذه المواقف، وغيرها، ستعطي لتركيا مكانة إضافية في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تستند الحكومة التركية إلى الثقل الشعبي المؤيد لحزب "العدالة والتنمية"، ما مكّنها من تجاوز تحديات الجيش التركي ومتطلبات الانخراط المستقبلي في اطار الاتحاد الأوروبي.
الحلقة الأضعف في الدائرة الشرق أوسطية باتت الحلقة العربية، المقطّعة الأوصال قومياً ووطنياً. أليس مستهجناً أن يصبح مطلب الوحدة الفلسطينية أولوية تركية، واقليمية، وعالمية؟ وكيف إذا تابعنا مشاهد عربية أخرى من العراق إلى الصومال إلى السودان إلى لبنان..؟
لا فراغ أمنياً في أي منطقة من العالم. متى يضعف الدور العربي في الشرق الأوسط، ستظهر أدوار اقليمية ودولية متدخلة. هذا ناموس دولي وعالمي، تأكد في غير منطقة من العالم قبل أن يصير مطبقاً في الشرق الأوسط. أليس الاعتراف بوجود المشكلة مقدمة طبيعية لإدراك طرق معالجتها؟
" المستقبل "




















