لعل ما أعطى تصريحات رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، بشأن تشكيل مرجعية سياسية وتنظيمية للعمل الفلسطيني في الداخل والخارج، بريقاً خاصاً لافتاً للنظر، أنها جاءت في أعقاب حرب غزة، وما رافقها من تراشق الاتهامات بين فتح وحماس، وصلت حداً غير مسبوق، وما خلفته تلك الحرب من تساؤلات تطاول المستقبل الفلسطيني برمته.
أوضح بعض قادة "حماس"، ما قصده مشعل في تصريحاته، ونفوا بالتالي عزم "حماس" تجاوز إطار منظمة التحرير الفلسطينية، لكنهم أكدوا خلافاتهم مع مؤسساتها وبرنامجها في آن واحد.
لعله من نافل القول، أن الجميع باتوا على اقتناع، بأن المنظمة في صيغتها الراهنة، بحاجة الى تحديث وتطوير بما يتوافق والمستجدات الفلسطينية. وفي مقدمها وجود قوى أساسية كـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي" خارج أطرها. ويأتي هذا الاجماع على أساس غياب المنظمة كمرجعية سياسية وتنظيمية في ما يتعلق بصياغة القرار الوطني الفلسطيني، وبالتالي غياب انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، وتغيير وشطب مواد من الميثاق الوطني، في جلسة تفتقر للقواعد القانونية لانعقاد المجلس، إضافة الى عدم تجديد الهيئات القيادية وفي مقدمها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
راهن الرئيس ياسر عرفات على الاتفاق الفلسطيني-الاسرائيلي، وقيام السلطة الفلسطينية في العام 1994، ووضع جُلَّ تركيزه على انجاح مشروع السلطة، وبالتالي أهمل المنظمة ومؤسساتها التي ضعفت وتفككت ووصلت حد الشلل التام. صحيح أن السلطة وقعت اتفاقاتها كافة باسم المنظمة، وفي مقدمها الاتفاق الفلسطيني-الاسرائيلي، لكن المنظمة كانت غائبة عملياًعن صنع القرار الفلسطيني وتنفيذه في آن واحد.
الآن، وبعد هذه السنوات الطويلة من المراهنة البائسة على المفاوضات، ومستقبل السلطة، وصنع القرار الوطني في إطار منظمة التحرير، يعود فتح ملف المنظمة وتمثيلها كطرف شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وجدوى بقائها كمرجعية سياسية وتنظيمية للشعب الفلسطيني.
إصلاح حال المنظمة لا يعني بأي حال من الأحوال الغاءها، بقدر ما يعني تطويرها وإخراجها من أزماتها السياسية والتنظيمية الراهنة، وعلى نحوٍ يكفل رضاء الفصائل جميعاً عليها، ومنها "حماس" و"الجهاد"، وبالتالي إعادة تكوينها على أسس التمثيل الانتخابي لا الفصائلي، وتعزيزها بالكفاءات والخبرات والشخصيات الوطنية.
لا أحد إطلاقاً يقر بصلاحية المنظمة، بوضعها الراهن، القيادي والبرنامجي، وبالتالي فإن أقصر الطرق هو التوافق حول أسس الانطلاق الجاد نحو إعادة التشكيل والتجديد، بعيداً عن النزق الفصائلي، والحسابات الحزبية الضيقة. هنالك معطيات كثيرة معقدة ومتشعبة دخلت في معادلة التشكيل التنظيمي الفلسطيني للمنظمة، في مقدمها بروز التيار الاسلامي السياسي، وتعاظم دور هذا التيار إبان الانتفاضة الأولى، ومن ثم ممارسة العمل العسكري وصولاً للفوز بالانتخابات التشريعية الثانية، وأخيراً دوره في معركة غزة. إلى جانب ذلك، سقوط الاعتبارات المتعلقة بالانابة الثورية والكوتا الفصائلية في تشكيل المنظمة. لم يبقَ من منظمة التحرير سوى تاريخها وتراكماتها السياسية، عبر نضال طويل امتد منذ العام 1964، وحتى العام 1994، عام قيام السلطة، وتغيير قواعد اللعبة. لا أحد يستطيع أن يقر بإمكان شطب المنظمة كبيت معنوي للفلسطينيين جميعاً، لكن أيضاً، لا أحد يستطيع أن يقر بأن ما هو موجود الآن، يمثل منظمة التحرير ببرنامجها ونضالها العريق.
تجديد المنظمة، يطول بنيتها التنظيمية من الأساس، فما تم إرساء قواعده في العام 1969، عام دخول حملة البنادق إلى سدة قيادة منظمة التحرير بدلاً من قيادة التكنوقراط زمن أحمد الشقيري، لم يعد قائماً الآن، وهو الانانية الثورية والكوتا الفصائلية. كما أن التطور البرنامجي للمنظمة، وانتقالها من الرومانسية إلى الواقعية، ومن منطلقات الحسم العسكري إلى المرحلية في برنامج النقاط العشر، وصولاً الى هجوم السلام، بات بحاجة لاستكمال التطور عبر التوقف ملياً عند مآل هجوم السلام، وما وصلت إليه المفاوضات مع اسرائيل، ودراسة الواقع الفلسطيني بعيون واقعية تأخذ في الحسبان نهج المقاومة وجدواها ووسائل عملها.
لم يعد مقبولاً اعتماد يافطة المنظمة، للتغطية على فشل المفاوضات، أو كمتراس في وجه المطالبين بتطويرها وتحديثها، وإعادة الاعتبار إليها كمرجعية حقيقية سياسية وتنظيمية للكل الفلسطيني. كما لم يعد مقبولاً رفع شعار تجاوز المنظمة والقفز عن تراكماتها السياسية والتنظيمية لصعوبة تطويرها وتحديثها، فالمطلوب هو أعادة الاعتبار الى المنظمة، كمرجعية سياسية وتنظيمية، باتت مسؤولية الجميع، وهذه المسؤولية تحتم الأناة والصبر والهدوء، والعمل الحثيث الذي لا يهدأ، وصولاً الى تحقيق هذه الغاية الوطنية الدقيقة، ودون ذلك فإن التفكك يتربص بمستقبل الكيان السياسي الفلسطيني برمته، أكان ذلك على صعيد ما تبقى من منظمة التحرير، وفصائلها، أو من هم خارجها على حد سواء.
– رام الله
(استاذ محاضر في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية – جامعة بيرزيت)
"النهار"




















