يستعد الأميركيون للاقتراع اليوم في معركة انتخابية رئاسية قد تكون الأكثر تشويقاً واحتداماً، والأكثر تعبيراً عن تغييرات في تركيبة المجتمع الأميركي وقيمه السياسية، منذ ما يزيد على ربع قرن، أي منذ فوز رونالد ريغان على جيمي كارتر عام 1980 وتأسيسه حقبة جمهورية متقطعة، بآثار قائمة الى الآن.
ذلك أن المواجهة الانتخابية تحمل هذه المرة، وبعد سنوات بوش الإبن الثماني، نكهة خاصة. ليس لأن أحد المرشحين أميركي أسود فحسب، بل أيضاً لأنه بتمثيله أميركا المدينية (يتقدّم منافسه في معظم المدن الكبرى والمتوسطة)، الصاعدة ديموغرافياً والمنفتحة ثقافياً، حيث المتحدرون من أصول أفريقية ولاتينية يبلغون أكثر من ثلث الناخبين، يعبّر عن وجه اجتماعي فيه الكثير من رفض القيم المحافظة التي ما زالت سائدة في الجنوب وفي العمق بين الساحلين الشرقي والغربي. وفيه أيضاً شيء من البحث عن "الحلم الأميركي" حيث يقال إن النجاح ممكن للأفراد الوافدين الى أرض الوعود، وحيث العودة الى نقاء فكرة "الحياة الجديدة" يُستعاد من خلال "التغيير" (شعار حملة أوباما).
النظام الانتخابي وقوانينه
على أنه يفيد، قبل بلورة معنى المواجهة بين مرشّحَين وبين "مجتمعين أميركيَّين" متقابلين، شرح خصوصية النظام الانتخابي الأميركي وقوانينه. فهذا النظام لا يعطي الفوز للحاصل على العدد الأكبر من أصوات المقترعين، ولا للفائز بالعدد الأكبر من الولايات، بل للحاصل على الأكثرية المطلقة من أصوات الأعضاء في "الكلية الانتخابية" ال538. والكلية الانتخابية هذه، تتشكّل بعد الانتخابات الشعبية، بحيث يصعد إليها من كل ولاية عدد من "الممثّلين" (Representatives) الذين يُفترض أن يصوّتوا للمرشح الفائز بالولاية. وأعداد الممثلين تختلف بين ولاية وأخرى، تبعاً لحجم الولاية السكاني وشروط التعاقد التي جعلت الولايات الكبرى تقبل تاريخياً بالتشارك مع الولايات الأصغر في الاتحاد الفيديرالي (تملك كاليفورنيا العدد الأكبر من الممثلين، 55، تليها تكساس ب34 فنيويورك ب31، في حين تُعدّ مونتانا وفيرمونت ووايومينغ الأصغر – متساوية مع العاصمة واشنطن وولايات أخرى -بـ3 ممثلين). والقاعدة الرياضية المتّبعة في تشكيل الكلية الانتخابية مفادها أن لكل ولاية عدداً من الممثلين يساوي عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب المنتخبين فيها. وإذا تساوى المرشحان الرئاسيان بالأصوات داخل الكلية (269 لكلّ منهما)، وهي حالة نادرة، فإن مجلس النواب هو من يبتّ (أما في حال التساوي بين نائبي الرئيس، فإن مجلس الشيوخ هو الذي يبتّ).
وبسبب هذا النظام الانتخابي، يمكن الوقوع على وضع يحصل فيه أحد المرشحين على عدد أكبر من الأصوات الشعبية، ورغم ذلك يخسر الانتخابات (وهذه كانت حال آل غور عام 2000 في مواجهة بوش)، نتيجة فوزه بفوارق هائلة في بعض الولايات، وخسارته بفوارق بسيطة في ولايات أخرى وعدم تمكّنه بالتالي من الحصول على أكثرية أعضاء الكلية الإنتخابية (أي 270 صوتاً).
وفي الجانبين المالي والإعلامي، تبدو القوانين وتطبيقاتها، كما المبالغ المالية المستخدمة، حالة خاصة بأميركا، بما هي أشبه بقارة ذات مقدّرات جبارة. ومع أن الحدود أمام الإنفاق المالي والحملات الإعلانية والإعلامية غير مرسومة، إلا أن سقف التبرعات الإفرادية للمرشح محددّ بدقة، وهو 2300 دولار، يمكن الفرد دفعها مرتين: مرة خلال الانتخابات التمهيدية داخل كل حزب، ومرة خلال الانتخابات العامة. كما أن الموضوعية في التغطية الإعلامية لها من يراقبها ويصدر التقارير حولها، من دون أن يعني ذلك اشتراط الحياد على وسائل الإعلام الخاصة. إذ يحقّ للأخيرة، ولا سيما المكتوبة، إعلان تبنّيها لمرشح ودعمه بالمقالات أو التحقيقات.
عن المرشّحَين والحملتين
إذا كان ماكين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا، والمرشح السابق لانتزاع تسمية الحزب الجمهوري في مواجهة بوش الإبن عام 2000 معروفاً لدى الأميركيين بصفته سياسياً ذا خبرة طويلة و"بطل حرب فييتنام" وممثّلاً للجمهوريين المعتدلين الذين همّشهم المحافظون الجدد مؤخراً، فإن باراك أوباما، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ألينوي، يقتحم حياتهم منذ عامين فقط، حاملاً إليهم كمّاً من المفاجآت، أطلّت أولاها حين هزم هيلاري كلينتون في أول امتحان داخل الحزب الديموقراطي في ولاية آيوا، وتوالت حلقاتها حين نظّم (بإدارة ديفيد بلوف) أكبر ماكينة إنتخابية وجمع أكبر موازنة (تبرّع إليها ملايين المواطنين) في تاريخ الولايات المتحدة، منتزعاً ترشيح حزبه ومتقدّماً في الاستطلاعات على خصمه الجمهوري، ومتخطّياً بذلك معظم العوائق التي واجهته، باستثناء تلك المرتبطة بالعنصرية، التي نجح في تقليص وقعها دون أن يتمكّن من إخراجها تماماً من السباق الانتخابي.
ويُظهر اختيار المرشح لنيابة الرئيس، وعلى أساس العلاقة المذكورة للمرشّحَين الرئاسيين بالأميركيين، استهدافات كل منهما:
ففي حين يحتاج ماكين الى من هو (أو هي) على يمينه داخل حزبه لحشد الشديدي التديّن والمحافظة (المعترضين على سجلّه التشريعي في ما يخصّ إباحته الإجهاض)، ومن هو أصغر منه سنّاً (إذ يشكّل تقدّمه في السن مشلكة حقيقية لدى الناخبين الشبان)، ومن يستطيع أن يخاطب مستقلّين (نساء بخاصة)، يحتاج أوباما الى مرشح أبيض أكبر منه سناً وأعمق خبرة، من منطقة يكثر فيها "الديموقراطيون الزرق" (العمال والمزارعون وصغار الموظفين ذوو الدخل والتعلّم المحدودين) الذين لم يوالوه خلال تمهيديات حزبه (كانوا بأكثريّتهم الساحقة الى جانب هيلاري كلينتون، وبعضهم يسمّون "ديموقراطيي ايغان" لأن الأخير انتزع أصواتهم من كارتر). كما يحتاج أوباما الى من تُعدّ مواقفه أقل ليبرالية منه (بالمعنى الأميركي للكلمة)، إذ أنه معتبر من الأكثر "يساريةً" داخل الحزب الديموقراطي.
من هنا، يمكن فهم اختيار سارة بايلين وجو بايدن، ويصعب حتى الآن الجزم في حجم الفائدة أو الضرر اللذين جناهما ماكين وأوباما من اختياريهما، ولو أن أكثر الآراء تعتبر أنهما استفادا (خاصة أن جهل سارة بايلين بالقضايا السياسية المطروحة للنقاش – والمقرون بثقة عالية بالنفس وبطموح لانتخابات2012! – لا يؤثّر في قدرتها على جذب أقصى اليمين الذي لا يمكن ماكين حتى التفكير بالبيت الأبيض من دونه).
إنطلاقاً من البطاقتين (التسمية التقنية للثنائي – الرئيس ونائبه)، وانطلاقاً من حجم الماكينة الانتخابية وموازنتها، ومن إحصاءات الرأي ونصائح الخبراء، قاد المعسكران معركتهما. ويصحّ القول من دون تردد إن أوباما امتلك المبادرة منذ البداية وحتى النهاية، لتفوّقه على خصمه مالياً (أنفق ضعفي ما أنفقه ماكين) وتنظيمياً (بوسائل التعبئة وتسجيل الناخبين والاتصال الالكتروني – وهي سابقة في التنافس بين الحزبين)، وبالتالي إعلامياً. كما أنه حدّد شروط المعركة، وألزم ماكين بإمضاء وقت وإنفاق أموال للدفاع عن الولايات المحسوبة تاريخياً على الجمهوريين (فرجينيا وكارولينا الشمالية وإنديانا وجورجيا ومونتانا وكولورادو)، ومنعه من التفرّغ للنشاط المكثّف الذي كان ينبغي أن يقوم به في بعض الولايات المتأرجحة "سوينغ ستايتز" (كأوهايو وآيوا وميسوري وفيرجينيا الغربية) وحتى في بعض الولايات الديموقراطية (لتحسين وضع الحزب الجمهوري في انتخابات الشيوخ المرافقة للانتخابات الرئاسية). وصار حسم المعركة اليوم مرتبط بمن يفوز بولايات هي إما جمهورية (فيرجينيا وكارولينا الشمالية وإنديانا) وإما فاز فيها الجمهوريون في الدورات السابقة (فلوريدا ونيفادا). ولا تشذّ عن هذه القاعدة سوى بنسيلفينيا (الديموقراطية تاريخياً، ولكن بالديموقراطيين "الزرق"، الذين أشرنا إليهم).
إضافة الى ذلك، لم يكتفِ أوباما بجعل مهمة ماكين صعبة في عقر داره، بل جهد لاستمالة المستقلين، وركّز بعد جهود كبيرة في الولايات المتأرجحة، وبعد حملة غير مسبوقة لتسجيل الناخبين (السود على وجه الخصوص، الذين لا يشارك أكثر من 20% منهم عادة في الانتخابات، والذين إن ارتفعت مشاركتهم الى نسبة 30%، ترتفع حظوظه للفوز في عدد من الولايات المهمة) ركّز على بعض الولايات الجمهورية حيث يمكن مرشحين ديموقراطيين الى مجلس الشيوخ النجاح، مظهراً بالتالي صورة الواثق من الفوز بالرئاسة والساعي الى ضمان أكثرية حاسمة في مجلس الشيوخ تضاف الى الأكثرية المتوافرة في مجلس النواب لتأمين حكم متماسك يمكّنه من تطبيق سياساته الموعودة. وهو كثّف في الأسبوع الأخير حملته الإعلامية، فأنفق 150 مليون دولار لاحتلال المحطات الوطنية في أوقات الذروة مركّزاً على سيرته الذاتية هذه المرة وعلى مشروعه الاقتصادي. ذلك أن الاقتصاد، الذي كان منذ البداية الموضوع الأهم، بالتساوي أحياناً مع الحرب في العراق، صار بعد الانهيار المالي الأول بلا منازع، وأثّر في المستقلين أو المتردّدين دافعاً قسماً منهم الى تأييد المرشح الديموقراطي.
على أن النتيجة ليست مضمونة لأوباما تماماً، ولو أنه بات قريباً جداً من الفوز (لديه في آخر تقدير نُشر، 210 ممثلين مضمونين في الكلية الانتخابية مقابل 157 لماكين، والصراع هو على ال171 المتبقّين). والسبب أن واحداً من كل 7 ناخبين كان حتى الأحد الفائت متردداً. كما أن الخسارة في ثلاث ولايات غنية بالممثلين (بنسيلفانيا 21 ممثلاً، وفلوريدا 27، وأوهايو 20) حيث التنافس محتدم قد تعني تبخّر حلمه باقتحام البيت الأبيض إن لم يعوّض جزئياً بانتصارات في فرجينيا (13 ممثلاً) وفي ولايات غربية كانت جمهورية أو خسرها الديموقراطيون في الدورة السابقة (مثل كولورادو 9 ممثلين ونيو مكسيكو 5 ممثلين، ونيفادا 4 ممثلين).
… عن المجتمعين
الأميركيين المتواجهين
يتواجه الاميركيون اليوم انتخابياً إذن، ويتوزّع أكثرهم على كتلتين:
– كتلة تضم أكثرية أميركيي الأرياف، يدعمها خليط من الجماعات الدينية الإنجيلية وبعض المنضوين في كتل الضغط الكبرى (السلاح والأدوية والتأمين الخاص)، وهي تصطف خلف ماكين لأسباب قيمية أو اقتصادية أو نتيجة القسمة التاريخية والولاءات المتوارثة.
– كتلة تضم أكثرية مدينية (بيضاء)، وأكثريات أقلّوية (السود واللاتين)، وتنتمي إليها غالبية واضحة ممّن هم تحت سن ال40، وهي تصطفّ خلف أوباما لاعتبارات ثقافية وسياسية ولانتماءات "ديموقراطية" تاريخية أيضاً.
والكتلتان تجسّدان مفارقات كبيرة في الولايات المتحدة، بين مناخين متناقضين يفصلهما، من منظار أوروبي، تراكم اجتماعي وتطوّر قيمي هائل. فإن كان الريف الأميركي (Rural America) و"مدنه الصغرى" يشبه بعض أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية قيمياً (الإنتماء القومي، وفلسفة الوطنية، والتغني "بالبطولة"، والتزمّت الاجتماعي) مع جرعة تديّن إنجيلي عالية وتعلّق بالحق "الفردي" في امتلاك السلاح، فإنّ المدن الأميركية المتوسطة والكبرى هي أوروبا "الجديدة" قيمياً بمساحات وإمكانات ضخمة تفوق بما لا يقاس إمكانات "القارة القديمة"، وبدينامية فردية ومؤسساتية وكوسموبولتية هائلة، ولكن – وعلى العكس من أوروبا القديمة والجديدة – بدور محدود للدولة (قد يتغيّر مستقبلاً بعض الشيء نتيجة الأزمة المالية الحالية)…
لقد انتصرت أميركا الريفية، وأميركا المدن الصغرى منذ ثورة ريغان الجمهورية عام 1980، ولم يلجمها سوى بيل كلينتون بين عامي 1992 و2000، لتعود وتنتصر مجدداً وتعطي ولايتين لبوش الإبن. فهل ستكون على انكفاء هذه الليلة مع صعود باراك أوباما؟
يرجّح ذلك، لكن المفاجآت في الصراع بين "مجتمعين" داخل البلاد العملاقة الواحدة تبقى واردة. وفي أي حال، يبدو مسار الصراع بين "الأميركتين" طويلاً وشاقاً، وشيّقاً.
(كاتب وباحث سياسي)
"الراي / النهار"




















