الحياة – 24/02/09//
«أدعو رجب طيب أردوغان الى النظر في المرآة»، بهذه الجملة استهل قائد القوات البرية الإسرائيلية آفي مزراحي تصريحاته التي شن فيها هجوماً عنيفاً على موقف رئيس الوزراء التركي الذي لم يقتصر على انتقاد اسرائيل فقط بل انسحب من منتدى دافوس احتجاجاً على كلام الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز. لم يتوقف المسؤول العسكري الإسرائيلي عند التلميح فقط، بل ذكر صراحة المذابح التي ارتكبتها تركيا ضد الأرمن عام 1951، ولكي لا يحصر هجومه في التاريخ والغمز من قناة سحب دعم اللوبي اليهودي منع تمرير قانون في الكونغرس الأميركي يعترف بالإبادة ضد الأرمن فإنه عرج إلى «قمع الأكراد» واحتلال شمال قبرص أيضاً.
ومن دون الخوض في وقائع الانتقادات التركية – الإسرائيلية المتبادلة على خلفية الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة واستهداف حركة حماس، فإن رجب طيب أردوغان نقل في ظرف شهر سياسة بلاده الخارجية إلى مصاف سياسات دول العالم الثالث التي لا ترسمها مؤسسات اكاديمية بقدر ما تسير نتيجة قرارات وتصريحات ومواقف ارتجالية من دون أخذ مصالح البلاد على المدى البعيد في الاعتبار. أردوغان أثلج صدور الآلاف من المحبطين من أبناء المنطقة الذين بدؤوا البحث عن أي قائد جديد يهاجم اسرائيل ولو كلامياً، وهو ما يعكس كارثية جري هذه الجماهير خلف شعارات النصر من خلال إحصاء عدد قتلاهم، وكلما ارتفع العدد كلما ارتفعت تكبيرات النصر.
أحد انجازات سياسة أردوغان الحالية انها جعلت مسؤولاً عسكرياً إسرائيلياً يداه ملطختان بدماء الفلسطينيين يتحدث بما لا يستطيع أردوغان وشركاؤه فعل شيء سوى الصراخ في الطائرة واستدعاء السفير الإسرائيلي. ترى ما الذي سيقول أردوغان له؟ لو اخطأنا في تخيل كل المحادثة سوى جملة واحدة صحيحة، فإنها ستكون: «على اسرائيل أن لا تتدخل في ما لا يعنيها». هذه جملة سياسية تنتمي لدول ما دون العالم الثالث، ونجدها لدى دول شرق اوسطية كثيرة تنتقد التصرفات غير الديموقراطية للأميركيين في طول العالم وعرضه فيما تستقبل سجونهم كل يوم شاحنات مغلقة من السجناء السياسيين الجدد. ليس من حق إسرائيل طرح مجازر الأرمن، لكن ليس من حق تركيا استجداء اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لعرقلة جهود اللوبي الأرمني في تمرير القانون. ليس من حق اسرائيل قصف قطاع غزة وملاحقة عناصر حماس، وليس من حق تركيا قصف القرى الكردية وملاحقة حزب العمال الكردستاني. ليس من حق اسرائيل احتلال أراضي غيرها بالقوة، وليس من حق تركيا احتلال شمالي قبرص بالقوة. ليس من حق اسرائيل التدخل في شؤون تركيا لا من قريب ولا من بعيد، وليس من حق تركيا التدخل في شؤون الفلسطينيين أيضاً.
هذه هي المعادلة الجديدة في العلاقات التركية – الإسرائيلية والتي كانت سابقاً عكس ذلك تماماً، أي من حق اسرائيل ان تفعل كذا ومن حق تركيا ان تفعل ما يوازيه أيضاً. وطالما ارتأى أردوغان تغيير هذه المعادلة – وهذا هو الصحيح – فإن عليه ان يلتزم من جانبه التخلي عن الممارسات التي تجعل من أي مسؤول اسرائيلي وضع العود في عينيه. بوراك بكديل، كاتب في صحيفة حرييت التركية كان من اوائل من دعا أردوغان إلى اتباع سياسة متوازنة بحيث لا ينكشف الداخل التركي الذي يرزح بالقضايا التاريخية والقومية أمام من يزعجهم أردوغان بتصريحاته، ويقول بكديل: هل يهتم أردوغان بأن يسأل سكان الجنوب الشرقي إذا كانوا يرغبون في منطقة كردية ذات استقلال ذاتي؟ هل يفكر في إجراء استفتاء؟ ألن يكون ذلك ديموقراطياً على الأقل بمقدار الانتخابات الفلسطينية؟
هذا الرأي لا يعترض على سياسات أردوغان بمقدار ما يدعوه إلى التوازن بين ما لديه من مشكلات وبين ما يريد إصلاحه لدى الآخرين. على تركيا كمؤسسة سياسية أن تراعي مصالحها الاستراتيجية ، وهي بالطبع لا تكمن في التحالف مع اسرائيل، بل في إصلاح وضعها الداخلي بحيث لا تبدو عبارة عن كيس تدريب لمن لا تعجبهم التوجهات التركية، وعلى أردوغان ان يعي ان لعبة استثمار مواقفه في استمالة بعض الناخبين من المتشددين الإسلاميين من قواعد حزب السعادة الإسلامي ومن بعض الأكراد سيكلف تركيا ليس فقط هبوطها إلى مواقف مبنية على طريقة الدول المتخلفة، بل انهيار هذه السياسة أيضاً.
* كاتب سوري




















