الحياة – 25/02/09//
مَن يطلق الصواريخ في جنوب لبنان؟ الجواب عن هذا السؤال يبقى معلقاً حتى اشعار آخر، على رغم أن بعض السياسيين اللبنانيين اقتربوا مرات الى حد القول إنهم يعرفون الفاعل، بمن فيهم رئيس مجلس النواب اللبناني الذي نقل عنه في مرحلة الحرب على غزة قوله إن استخبارات الجيش اللبناني تعرف الفاعلين.
إلا أن هذا التبرع بالتصريح من المسؤول التشريعي اللبناني الأول لم يجد ما يسنده في الوقائع، ومع أن أنور رجا المسؤول في الجبهة الشعبية – القيادة العامة المقيمة في أنفاق الناعمة وعلى الحدود اللبنانية – السورية أبقى أبواب الاجتهاد مفتوحة، فإن شيئاً ملموساً لم يكشف عن مطلقي أو معدي اطلاق الصواريخ في زمن مجزرة غزة. واكتفى حزب الله صاحب الترسانتين الصاروخية والايديولوجية بنفي علاقته، فبقيت الصواريخ مجهولة الأب والأم ولذلك سميت بـ «الصواريخ اللقيطة» الى أن تفتقت مخيلة الساعين الى وظيفة داخلية لها فصرحوا مواربة ولمحوا بخجل الواثق أن هذه الصواريخ لا بد وإن تكون «سنية» باعتبار أنها وضعت أو أطلقت من على مقربة من مساكن «سنّية» محددة المعالم أو من على أطراف مشاعات أوقاف دار الفتوى، ثم ذهبت الرواية في توجيه وعي الجمهور نحو لازمة لا بد منها في الاستثمار الداخلي: التطرف يدخل النطاق السني وهذا أمر مسؤولة عنه فئة لبنانية ربما تكون تتآمر على الأمن الوطني من بوابة قصف اسرائيل لاستدراج ردها على جمهور آخر مقيم في الأرض الجنوبية.
لم تصمد الرواية هذه كثيراً، ففي الجنوب اللبناني أيضاً قرى وبلدات ينتمي سكانها الى أديان ومذاهب أخرى، وكان ممكناً نصب صاروخ في خراج بلدة مسيحية أو درزية أو حتى بروتستانتية، فماذا سيقال عندها عن هوية الصواريخ؟
أُختصر ما جرى بأنه تنفيس موضعي لعمل كبير كان مفترضاً بل حتى متوقعاً، تضامناً مع أهالي غزة. فالجمهور اللبناني، بل العربي ومراصد المتابعة الدولية، كانوا جميعاً يترقبون، من موقع المتحمس أو المتخوف، أن يلجأ «حزب الله» الى تصعيد تضامنه المبدئي مع «حماس» والشعب الفلسطيني فيشغل اسرائيل بضربات من الشمال تخفف الضغط على غزة وتحذر الكيان الصهيوني من احتمال جر المنطقة الى حرب شاملة تشارك فيها سورية في حال استمرت المجزرة، إلا أن ذلك لم يحصل، واكتفى الحزب بخطاب نقدي جارح ضد السياسة المصرية، لم يكن كافياً لتغطية صمت السياسات الأخرى، الممانعة بقوة وثبات، وبدا أن خيارات فتح جبهة الجنوب اللبناني على مصراعيها لن تكون ملائمة للمناخ اللبناني ولا لمصالح أهل لبنان، الجنوبيين منهم خصوصاً كما لن تكون نتائجها مؤثرة في تغيير مسارات المجزرة المرتكبة في غزة.
لم يفتح «حزب الله» حرباً تضامنية مع غزة، وهو كان قادراً نظرياً على فتحها. فمن شمال خط الليطاني حيث يتحرك بحرية، بعيداً من رقابة القوات الدولية والقرار الدولي 1701، يسهل اطلاق رشقات صاروخية تصيب العمق الاسرائيلي، وفي مقاييس الوضع الداخلي اللبناني، لن يكون متيسراً للحكومة اللبنانية أو للجيش اللبناني منع تطور من هذا النوع، كما أن تصدي القوات الدولية ليس بالأمر المتاح.
ولو جرى مثل هذا التدخل، كان على الجميع توقع مشاهد مماثلة لما جرى في تموز (يوليو) 2006، مضافاً اليها مزيد من التصدع في الوضع الداخلي اللبناني، فحرب غزة لم تشف اللبنانيين من جراح 7 أيار (مايو) واندفاع «حزب الله» الى خوض معركة أبناء القطاع لن تكون بلسماً لهذه الجراح.
لذلك بدا امتناع «الحزب» عن التورط قراراً مسؤولاً وتاريخياً بمقياس منطلقاته وأهدافه، فهو إذ تجنب المشاركة في مواجهة المجزرة الاسرائيلية، أقله في المدى المنظور، فإنه وضع نفسه في سياق ما يراد منه لبنانياً، أي في نطاق تشكيل قوة ردع لبنانية بمواجهة استمرار الخرق الاسرائيلي للسيادة اللبنانية (احتلالاً لمزارع شبعا وطلعات جوية) في انتظار أن تتمكن السياسة اللبنانية من إيجاد حل لهاتين المشكلتين، وهو حل مًُتاح في حال نفذ اللبنانيون والسوريون والمجتمع الدولي التزاماتهم وقراراتهم في خصوص ترسيم الحدود اللبنانية – السورية والتزام اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل في انتظار احتمالات السلام الاسرائيلي – السوري والاسرائيلي – الفلسطيني.
لم يدخل «حزب الله» معركة هي في صلب عقيدته ومبررات قيامه (فلسطين) فهل يعني ذلك أنه لن يدخل أية معركة في المستقبل إلا في حال تعرض لبنان لعدوان اسرائيلي واسع؟ هذا السؤال طرح من باب الارتباط الشديد بين «الحزب» وايران، وليس سراً أن بعض التحليلات يذهب الى حد القول إن المهمة الفعلية اللاحقة لـ «حزب الله» هي الدفاع عن ايران في وجه أي اعتداء اسرائيلي على منشآتها النووية، والسيناريو المتوقع في مثل هذه الحالة تكمن تفاصيله في أن تشن اسرائيل غارات على تلك المنشآت فيرد «حزب الله» بقصف صاروخي لاسرائيل، إلا أن هذا السيناريو ليس الوحيد المتداول، وبحسب توقعات أخرى فإن اسرائيل ستقرر قبل توجيهها ضربة ما الى ايران الخلاص من تهديد صواريخ «الحزب» وبالتالي فإن الاعتداء على لبنان سيكون سبّاقاً على مهاجمة ايران. وفي خلاصة هذه الاحتمالات ووقائع مواكبة تجربة غزة تكون «المقاومة الاسلامية» فقدت عملياً مبررين من مبررات استمرارها: الأول مواجهة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني بعد التحرير وصدور القرار 1701 والثاني مشاركة الفلسطينيين مقاومتهم ضد الاحتلال، واختصرت مبررات هذا الوجود بالدفاع عن ايران فقط.
في كل حال هذا اجتهاد في التحليل يتسع لاجتهادات أخرى، وفي مسألة الصواريخ الجنوبية الأخيرة التي سارعت جميع الجهات الى نفي المسؤولية عنها بل وإدانتها لها، جاء النفي والادانة أشبه بـ «اعتذار» لاسرائيل عن فعلة بدأ أصحابها وكأنهم يريدون استعمالها في وجهة أخرى.
فإذا كانت الصواريخ المواكبة للعدوان على غزة لم تثر حاجة الى نفي ونكران وإدانة، فإن صواريخ ما بعد غزة ارتبط توقيتها بسلسلة أحداث كفيلة بتفسيرات قد تسد نقصاً في معنى «الوجبة السريعة» التي شهدنا على «طاولة» مزارع القليلة. وبعد ارسال هذه الوجبة تنبه كثيرون الى المناخ السياسي الاقليمي الذي يواكبها:
– كان بنيامين ناتانياهو كُلف رسمياً قبل 24 ساعة بتشكيل الحكومة الاسرائيلية، وفي تصريحه الأول بعد التكليف اعتبر ايران التحدي الأول الذي تواجهه اسرائيل.
– تصاعدت ردود الفعل على المواقف الايرانية في شأن البحرين، فتحركت الدول العربية، بما فيها سورية، مستنكرة الادعاءات الايرانية ضد هذه المملكة العربية.
– تواصل تدفق الوفود الأميركية على سورية وبدء «مناقشات حامية» بين الجانبين الأميركي والسوري، على خلفية اصرار على استعادة العلاقات الطبيعية ضمن شروط أميركية لم تتغير ودخول تقرير وكالة الطاقة الذرية الدولية عاملاً مؤثراً في هذه المناقشات.
– تنشيط التواصل السعودي – السوري استناداً الى الأجواء التي أثارتها مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت العربية والحديث عن تقدم ملموس في هذا المجال.
– استمرار مصر في لعب دور بارز على طريق التهدئة الفلسطينية – الاسرائيلية والحوار الفلسطيني – الفلسطيني وتحديد موعدين لهذا الحوار ولاجتماع الدول المانحة لقطاع غزة، والحدثان مكانهما القاهرة…
في هذه المناخات استدعيت «وجبة صواريخ» القليلة الجنوبية، لتسبق جلوس الرئيس السوري بشار الأسد مع مبعوثين أميركيين رفيعين وحصل اللقاء ولم يتحدث أي من الطرفين عن الصواريخ، بل تحدثا عن «الشروط الأفضل» لاستمرار الحوار… فهل كانا يعرفان ويفهمان المغزى من صواريخ الجنوب تحذيرية كانت أم تذكيرية، ومَن يقف فعلياً وراء هذه «المزحة» التي تكاد في كل مرة تشعل حريقاً يدفع ثمنه اللبنانيون بدءاً من الجنوب؟ هل هو من يريد التفاوض من موقع «أقوى» مع أميركا؟ أم هو من لا يريد لهذا التفاوض أن يحصل في الأساس خارج أجندته الخاصة؟
* صحافي من أسرة «الحياة»




















