ولادة المحكمة تُطلق عدالة إنهاء الإفلات من العقاب
واشنطن: علامة على أن سيادة لبنان غير قابلة للتفاوض
بين مقرها في لايدسندام بضواحي لاهاي، "عاصمة العدالة الدولية"، وساحة الشهداء في وسط بيروت وأماكن مختلفة حيث ضرائح شهداء الاغتيالات، اكتسبت الاحتفالات بيوم ولادة المحكمة الخاصة بلبنان طابعا تاريخيا تجاوز البعد الرمزي للحدث.
فالمحكمة الخاصة بلبنان صارت حقيقتين دولية ولبنانية بما من شأنه ان يحكّم العدالة الدولية للمرة الاولى في أشرس ظاهرة تعرض لها لبنان منذ أربع سنوات مع موجات الاغتيالات المتعاقبة وبما ينزع المحكمة من تعقيدات الصراعات الداخلية والخارجية ويوفر الاطار المستقل والحيادي لعملها.
وعكست التظاهرة الديبلوماسية والاعلامية الحاشدة التي واكبت الاحتفال بانطلاق عمل المحكمة في لايدسندام امس جدية المجتمع الدولي في استكمال هذا الانجاز بعد 1477 يوما من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعد سنتين من صدور قرار مجلس الامن 1757 في ايار 2007 بإنشاء المحكمة التي سيتعين عليها النظر في هذه الجريمة و20 جريمة اخرى مماثلة اشارت تقارير لجنة التحقيق الدولية الى احتمال وجود رابط بينها.
وقد حرصت الامم المتحدة بلسان مساعدة الامين العام للمنظمة باتريسيا اوبراين على التأكيد في الاحتفال أن انشاء المحكمة "يشكل حدثا مهما في مساعي المجتمع الدولي المشتركة لانهاء الافلات من العقاب في لبنان"، مشددة على ان المحكمة "تعتمد أعلى معايير العدالة الجنائية". ولفتت الى
ان هذه المحكمة تختلف عن محاكم جنائية اخرى انشئت بثلاثة أمور هي "اجراءات المحاكمة ووجود لجنة تحقيق مستقلة وانشاء مكتب للدفاع للمرة الاولى في التاريخ". وأكدت ان هذه المحكمة "هي حيادية ومستقلة وهدفها الرئيسي محاكمة المسؤولين عن هذه الاعتداءات لان المجتمع الدولي يؤمن ان العدالة ضرورة للسلام المستمر والدائم".
أما رئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بلمار الذي صار يتولى منذ الاول من آذار منصب النائب العام للمحكمة الخاصة بلبنان ايضا، فأبرز بعدا فريدا آخر للمحكمة يتمثل في كونها المحكمة الدولية الاولى تكافح الارهاب، وقال: "ان انشاء هذه المحكمة كان بقرار سياسي، لكن عملها يجب ان يبقى أعلى وأرفع من السياسة تحكمه فقط مبادئ حيادية وتستند الى حكم القانون". وشدد على ان "التحقيقات والاجراءات القضائية لن تخضع لأي تأثير سياسي (…) والمحكمة الخاصة بلبنان لا تسعى الى الانتقام بل الى العدالة"، متعهدا "عدالة شفافة وذات صدقية". ولفت الى أن "صدقية هذه العملية يجب ألا تخضع لأي شكوك أو ارتياب وعلى الناس ان يثقوا بأن أي أمور خارجية لا تؤثر على نتيجة هذا العمل".
غير أن بلمار كان واضحا في تبريد التوقعات المتسرعة اذ أعلن انه لا يمكنه الاجابة عن أسئلة تتعلق بموعد رفع القرارات الاتهامية وكم سيستمر عمل المحكمة، قائلا ان ذلك سيحصل لدى الاقتناع بأن ثمة "أدلة كافية". وفي موضوع طلب نقل الضباط الاربعة الموقوفين في لبنان الى لاهاي، ذكّر بمهلة الشهرين لطلب "نقل الملف وتحويله" على المحكمة وقال "سيقدم الطلب في أسرع وقت ممكن".
مواكبة
أما في لبنان، فواكبت قوى 14 آذار الحدث بوضع أكاليل من الزهر على ضرائح شهداء الاغتيالات في بيروت والمناطق. وأقيم احتفال حاشد ظهرا امام ضريح الرئيس الحريري في وسط بيروت أُتبع بوضع اكليل من الزهر على تمثال الشهداء.
وجدّد رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري تعهده احترام كل ما سيصدر عن المحكمة وقال: "لقد حاربنا كثيرا من أجل هذه المحكمة وواجهنا صعوبات كثيرة لكي نتأكد من انها ستصبح واقعا، لذا سنكون آخر من يعترض على أي خطوة تريدها المحكمة". وأعرب عن اعتقاده ان "المحكمة ستصل الى دمشق وانه في النهاية ومع الوقت سنتوصل الى الحقيقة". وصرح لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" بالانكليزية: "الامر لم يتوقف عند قتل رفيق الحريري، بل قتلوا أربعة أعضاء من البرلمان. إنهم مجرمون اعتقدوا أنهم كانوا يعرفون ما يقومون به والطريقة الوحيدة لحماية ديموقراطيتنا أخيرا هي الايمان بهذه المحكمة". وأقر بأن "الامور تغيرت في الشرق الاوسط ولكن أصبحت لدينا محكمة (…) أعتقد ان هناك كمّا كبيرا من التمنيات لدى أولئك الذين ارتكبوا هذه الاغتيالات. لقد شاهدنا ما حصل مع الرئيس السوداني عمر البشير. ونجد ان هناك تحقيقا دوليا باغتيال بنازير بوتو. أعتقد ان ذلك كان نتيجة سقوط حجارة الدومينو وأعتقد ان العدالة ستتحقق في النهاية".
أصداء دولية
وفي الاصداء الدولية، اشادت الولايات المتحدة ببدء المحكمة الخاصة بلبنان اعمالها امس مؤكدة دعمها لها وأعلنت مساهمتها بعشرين مليون دولار لتمويل عملياتها.
وقالت وزارة الخارجية الاميركية في بيان لها امس ان شروع المحكمة في عملها يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة في ما يتعلق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، واضافت ان مقتل الحريري وآخرين من المواطنين اللبنانيين لم يفلح في تقويض سيادة لبنان وان الشعب اللبناني رد على اغتياله بثورة الارز التي ادت الى انسحاب القوات السورية واجراء اكثر الانتخابات ديموقراطية يشهدها لبنان منذ عقود. ورأت ان المحكمة هي علامة واضحة على ان سيادة لبنان قضية غير قابلة للتفاوض، معربة عن املها في ان تشكل رادعاً لأي اعمال عنف اخرى ونهاية مأسوية لعهد الافلات من العقوبة. واشارت الى ان الكثير من العائلات اللبنانية لم تر على الاطلاق العدالة تطبق في مقتل اعزائها.
وأشادت بالجهود المضنية التي لا تكل للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للامم المتحدة وسلطات القضاء اللبنانية والتي وصلت بالتحقيقات وبالمحكمة الى هذا المستوى. وتعهدت مواصلة مؤازرة هذه الجهود، مشيرة الى اعلانها اخيراً تقديم ستة ملايين دولار لدعم عمليات المحكمة لا تزال قيد المصادقة لدى الكونغرس، اضافة الى 14 مليون دولار ساهمت بها فعلاً.
وفي موسكو اكد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي ميخائيل مارغيلوف ان المحكمة الخاصة بلبنان يجب ان تحدد هوية مرتكبي جريمة اغتيال الحريري بدقة ومن دون اي لبس. ونقلت عنه وكالة "نوفوستي" ان "انشاء المحكمة يدل على ان الجريمة التي تعرض لها الحريري تجاوزت دائرة شؤون لبنان الداخلية". واضاف ان المجتمع الدولي لا يمكنه اخلاقياً ان يقف موقف المتفرج من مدبري جريمة بشعة كهذه على رغم انها ارتكبت في بلد مستقل ذي سيادة وطنية.
الحوار
وسط اجواء هذا التطور، يعود اركان الحوار الوطني الى طاولة قصر بعبدا اليوم حيث تعقد الجلسة الخامسة للحوار الذي تجدد عقب انتخاب الرئيس ميشال سليمان. ولم تختلف المعطيات المتصلة بهذه الجلسة عن سابقاتها، اذ تواضعت التقديرات الى اقصى الحدود لما يمكن ان يصدر عنها نظراً الى اقتراب البلاد من الحملات الانتخابية وانعدام احتمالات التوصل في هذا الوقت الى اي تفاهم على الاستراتيجية الدفاعية التي تشكل محور جلسات الحوار.
واذ اكد اكثر من مشارك في الحوار ان الهدف الرئيسي لاستمرار الجلسات هو الحفاظ على التهدئة الداخلية الى حين حلول موعد الانتخابات في 7 حزيران، قال الرئيس امين الجميل ان لا جدول اعمال لجلسة اليوم وان المجتمعين سيعرضون خلاصة المناقشات السابقة، ثم يناقشون موضوع الانتخابات النيابية "وضرورة ان تحصل في اجواء هادئة، خصوصاً ان الوضع على الارض ليس مريحاً ونحن قلقون لوجود طرف يخلق جواً مخيفاً على الارض". واضاف: "لست وحدي من سيطرح موضوع الانتخابات على طاولة الحوار، اما الاستراتيجية الدفاعية فأن التصريحات التي سمعناها بعد حرب غزة لا تشير الى ان هناك حواراً جدياً في هذا الموضوع ما دام هناك فريق له طرح احادي يسير فيه ولا يبدي اي مرونة لجهة الحوار او مستقبل سلاحه".
وعلم ان موضوع التهدئة والحوار اليوم كان محور اللقاء الذي عقد مساء امس في عين التينة بين رئس مجلس النواب نبيه بري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.
واكد عضو "اللقاء الديموقراطي" النائب وائل ابو فاعور ان "الوضع الامني الذي حصل اخيراً سيكون حاضراً على طاولة الحوار".
وقال: "ان مسلكنا السياسي عمل على اطفاء التوترات، الا ان هناك اطرافاً مطالبين بالانضباط والالتزام عملياً لمنطق الدولة".
ويشار في هذا السياق الى ان رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة سيغيب عن جلسة الحوار اليوم لوجوده في شرم الشيخ حيث يشارك في مؤتمر المانحين لاعادة اعمار غزة. وعلمت "النهار" ان السنيورة سيلتقي اليوم على هامش المؤتمر الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون ووزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، علماً انها المرة الاولى يلتقي كلينتون بعد تعيينها وزيرة للخارجية في ادارة الرئيس باراك اوباما.




















