نصير الأسعد
لا مفرّ بادئ ذي بدء من إعادة التذكير بأن الحوار، الذي انعقدت جولة خامسة منه في بعبدا أمس، إنما هو إحدى النتائج الرئيسية لـ"حوار الدوحة" وبند رئيسي من بنود "التسوية" التي تم التوصل إليها في العاصمة القطرية في الواحد والعشرين من أيار الماضي.
تمزيق أسس "تسوية الدوحة"
وفي سياق إعادة التذكير، "لا بأس" من التنويه بأن "تسوية الدوحة" نهضت على مجموعة من الأسس جرى النص عليها في بنود. ثمة أساس أوّل هو الإقلاع عن التخوين، وأساس ثانٍ هو الإمتناع عن إستخدام العنف والسلاح في الخلافات الداخلية. والأساس الثالث يتضمن إنتخاب الرئيس التوافقي للجمهورية وتشكيل "حكومة وحدة وطنية" يمتنع فريق 8 آذار في إطارها عن إستخدام "الثلث المعطّل" تعويقاً لعمل الحكومة وقراراتها أو إستقالةً منها.
ينبغي القول إن الجولة الخامسة من الحوار الوطني إنعقدت أمس في ظل ما يمكن إعتباره "تمزيقاً" من جانب فريق 8 آذار لـ"تسوية الدوحة" وأسسها الرئيسية.
خطاب تخوين فريق 14 آذار لم يتوقف ولو بـ"وتائر" متفاوتة خلال الشهور الماضية بالرغم من "المصالحات" و"التهدئة"، بل تصاعد في الآونة الأخيرة بحيث يتم تصنيف 14 آذار "فريقاً أميركياً". حتى إن خطاب معظم فريق 8 آذار "لم يعُد" ينتمي إلى مجرّد التخوين "السياسي" فغدا خطاباً لـ"الشتم الصافي".
وإستخدام العنف والسلاح، المفترض أن "تسوية الدوحة" حسمت في تحريمه، لم يتوقف أيضاً، وما جرى في 14 شباط الماضي وما يحصل من اعتداءات أمنية "جوّالة" قبل 14 شباط وبعده، خير دليل.
إستعصاء "الإستراتيجية الدفاعية".. ونقطة الصفر
أما عن تعويق أعمال الحكومة بتسليط "الثلث المعطّل" فحدّث ولا حرج، من التعيينات المعطّلة إلى الموازنة "المعلّقة".
إن المقصود قوله عبر هذه المقدمات أن ليس صحيحاً على الإطلاق أن بند "الإستراتيجية الدفاعية للدولة" هو البند "الوحيد" المتبقي من "تسوية الدوحة"، وأنّه بصفته هذه ـ أي "الوحيد" ـ مطروح على طاولة الحوار الوطني في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان. وبكلام آخر، إن "التمزيق" الذي تعرّضت له "تسوية الدوحة" من جانب 8 آذار، يدفع الى الإعتقاد أن ليس فقط لا يريد فريق 8 آذار و"حزب الله" في مقدمه الوصول بالحوار حول "الإستراتيجية الدفاعية" الى خلاصات جدية.. وسريعة، بل إن هذا الفريق يعيد الوضع الى ما يشبه "نقطة الصفر".
ما قبل الدوحة
صحيح أن التوترات الأمنية في البلد ليست بالوتيرة التي كانت عليها قبل 21 أيار الماضي. بيد أن الصحيح أيضاً هو أن البلاد تعيش في هذه الآونة مناخات ما قبل "تسوية الدوحة"، بما أن ما حُسم في إطار تلك "التسوية" يبدو غير محسوم فعلياً على أرض الواقع، وبما أن إنفتاح البلد على محطة من الصراع السياسي هي الإنتخابات النيابية، يجعل من المنطقي "التكهّن" بتوترات قد تكون "قصوى".
من الطبيعي أن يحاذر المرء "الحكم" بأن الحوار، بما هو بند في "تسوية" تتعرض للتمزيق في أساساتها، لم يعد ذا جدوى، إذ لا موضوعه المتعلق بـ"الإستراتيجية الدفاعية" يحقق تقدماً ولا دوره "التبريدي" قائم فعلاً. غير أن ثمة سؤالاً يلحّ بقوة في هذه الأيام: طالما أن الحوار في "الإستراتيجية الدفاعية" للدولة لا يتقدم، بل ثمة من يعتقد أن الأمر رهن بتطورات إقليمية، وطالما أن "الوضع السياسي" يبدو وقد عاد إلى "ما قبل الدوحة" من زاوية "تشنجه" كما من زاوية تداعياته الأمنية، أليس "منطقياً" إعتبار أن لـ"المسألة الأمنية" أولوية على ما عداها مما يقتضي المطالبة بإطلاع كل الفرقاء على خطة أمنية رسمية من شأنها طمأنة الجميع إلى "الأمن السياسي" كما الى أمن اللبنانيين كمواطنين. ويقتضي القول في هذا المجال إن ما صدر عن الجولة الخامسة امس من إعلان مشترك "مستقى" من إقتراح لوزير الداخلية زياد بارود، حول "التعهّد بحماية السلم الاهلي"، لا يرقى بالرغم من اهميته "السياسية" الى مستوى التحديات المطروحة التي لا تواجه إلا بخطة "مبكّلة" لا أمن فيها بـ"التراضي".
"حزب الله" وقيام المحكمة الدولية
على أي حال، وفي ما يؤكد أن "المناخات" تبدو وقد عادت إلى "ما قبل الدوحة"، لا يمكن "تجاوز" تعاطي "حزب الله" في الأيام الماضية مع قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
يمكن تماماً أن توضع جانباً المعلومات الصحافية التي تحدثت عن التقاط "حزب الله" صوراً لمبنى المحكمة الدولية في ضاحية لاهاي في هولندا وما يحيط بها، وتحدثت عن رفض الحزب السماح لثمانية أشخاص بالمثول أمام لجنة التحقيق الدولية. كما يمكن تماماً أيضاً أن يوضع جانباً نفي "حزب الله" لهذه المعلومات جملةً وتفصيلاً.
… بماذا اهتم في الأيام الماضية؟
بيدّ أن تعاطي الحزب كان "معبّراً" في نواح أخرى. تركّز اهتمامه بـ"مناسبة" قيام المحكمة الدولية على المطالبة بإطلاق الضباط الأربعة الموقوفين قيد التحقيق للاشتباه بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ومارس ضغطاً "معنوياً" على القضاء اللبناني في هذا الإطار، إذ اعتبر أن القضاء أمام اختبار وخيّره بين أن ينجح إذا أطلق الجنرالات أو أن "يسقط" إذا لم يُطلقهم. واهتم بتهنئة الأخوَين عبدالعال لـ"إطلاقهما" وذهب بعيداً في الاستطراد الى حد اعتبار أن "إطلاقهما دليل براءتهما، وبراءتهما دليل إدانة من اعتقلهما"، وإلى حد "استغراب استمرار اعتقال الضباط الأربعة مع انتفاء أي دليل يدينهم(..) وأن استمرار توقيفهم هو مزيد من التسييس للتحقيق". و"تفتّقت" عبقرية مسؤولين حزبيين عن أن "الموالاة تريد استخدام المحكمة ورقة ضغط على المعارضة".
ضرب الحزب عرض الحائط بحقيقة أن القضاء اللبناني رفض تخلية سبيل الضباط الأربعة محيلاً الأمر والمسؤولية الى القضاء الدولي. وتجاهل حقيقة أن الأخوَين عبدالعال "أخلي سبيلهما بكفالة مالية" أي جرى استبقاؤهما رهن التحقيق ولم يطلقا ولم تتم تبرئتهما. وصمّ أذنيه عن سماع كل ما قاله فريق 14 آذار وزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري في المقدمة بشأن ما يعلّقه على المحكمة أي العدالة وليس تصفية الحسابات السياسية.. فضلاً عن الاستحالة العملية لـ"استخدام" المحكمة التي لن تصدر أحكاماً.. قبل الانتخابات النيابية اللبنانية.
إحباط التضامن.. ورسالة استفزاز
المهم في الموضوع أن "حزب الله" وفي لحظة "حقّ" يستحقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الشهداء، إعتبر أن ثمة "قضية موازية" هي "قضية" الضباط الأربعة بل قدّمها بوصفها "قضية" أهم. والمهم أن "حزب الله" وفي لحظة احتفال وطني بانتهاء زمن الإفلات من العقاب، لم يتضامن مع سائر اللبنانيين ولم يخصّ رئيس "المستقبل" سعد الحريري بـ"تهنئة" على قيام المحكمة. والمهم أن "حزب الله"، وفيما كانت دمشق ـ حتى دمشق! ـ "تخفض في الظاهر" جناح الذلّ" للمحكمة، كان هو مزايداً ضد صفّ الضحايا . والمهم أن "حزب الله" ليس فقط لم يقف دقيقة صمت، أي لم يوقف حملته دقيقة واحدة، بل صعّد هجماته.. واعداً بـ"إنتصارات".. مجادلاً في الوقت نفسه في "مذكّرة التفاهم" المقترحة من وزير العدل إبراهيم نجار بين القضاءَين اللبناني والدولي.
ومن نافل القول هنا إن "حزب الله" لم يشأ في لحظة كان يمكن أن تكون "لحظة تضامن وطني" أن يقدّم خطوة واحدة باتجاه الآخر في سبيل "ترييح" الوضع نسبياً. فهل من تفسير لهذا كله؟ ولماذا هذا "التعاطف" ـ غير القابل حتى للتأجيل ـ مع مشتبه بهم في مقابل هذا الاستفزاز لأكثرية اللبنانيين؟ وهل يمكن أن يُفهم غير أن "حزب الله" متوتر ويغذّي التوتر؟ وما سرّ هذه الحمية ضد "أصحاب الدم"؟!




















