لازم الثورة السورية صمت عربي مخجل، بدأ يتزحزح عن مواضعه وهي تكمل شهرها الخامس مع تأكد عزم حرائر سورية وأحرارها وثبات إرادتهم الماضية لإسقاط النظام. ولئن كان لكل بلد منها متراسه وأعذاره في السكوت، فإن الموقف الفلسطيني الشعبي والرسمي الساكت أيضا وإن تحلحل قليلاً، فهو مع تعدد منظماته وفصائله وأحزابه ومناكفاته كان يلتقي بعمومه على الخوف على الفلسطينيين السوريين من أن يمسهم السوء، أو بخصوصه مع من كان منهم من حلفاء النظام بعذر الحرص على المقاومة والممانعة، وخوفهم على مصيرها وتعطّل تحرير فلسطين برحيل النظام المقاول الذي يصرخ السوريون من استبداده ونهبه وظلمه وجرائمه.ورغم علم جميعهم أن مصيبة السوريين مع نظامهم هي في استبداده وطغيانه وإذلاله لهم واستعبادهم وليس مع ما يزعمه من مقاومة وممانعة، فإن طائفةً منهم أيضاً ليست قليلة تبدو مصرةً على دعمه ومساندته وإن قتل من السوريين آلافاً، واعتقل منهم عشرات الآلاف وهاجم مدنهم بمئات الدبابات والمدرعات، واستخدم كل الأساليب الفاشية في قمعهم واضطهادهم، ولا تأخذ على يديه حرصاً على استمرار المقاومة وخوفاً من المساس بالممانعة،فلا صوت يعلو على صوت المعركة.
جديد الحرب الحقيقية بداية الأسبوع الجاري التي عاشتها اللاذقية، والعمليات العسكرية التي استهدفت فيها على الخصوص مخيم اللاجئين الفلسطينيين في حي الرمل، والتي نتج عنها حسب متحدث (الأونروا): أن ما بين خمسة إلى عشرة آلاف من سكانه غادروه هربا من نيران المدفعية والدبابات والقطع الحربية والسفن البحرية المحاصرة للمنطقة أو بأوامر القوات السورية المحاربة إلى أمكنة غير معلومة. وهذا الجديد وليس ما قبله هو الذي أخرج السلطة الفلسطينية الرسمية ومعها منظمة التحرير عن بعض صمتها والتعبير عن صدمتها وإدانتها الشديدة لاقتحام المخيم وتهجير سكانه واعتباره شكلاً من أشكال الجرائم ضد الإنسانية. أما عن الآخرين من الفصائل الحليفة على اختلاف مراتبها ومقاديرها وفي مقدمتهم حركة حماس، فقد عجز ما كان للمخيم على أن يفتنهم عن قناعاتهم فيتكلموا ولو بكلمة تخرجهم من ملة المقاومين وتبعدهم عن سكة الممانعين، بل ذهب أنكاهم بأنه لم يكن هناك قصف ولا قتل ضد المخيم بل ليست أكثر من إشاعات هي بعض المؤامرة ضد النظام المقاوم والممانع، وكأن ما كان هو في عالم آخر وليس في اللاذقية التي لا تبعد سوى سويعات عن مكاتب هذه الفصائل لو أرادوا معاينة ومشاهدة.وأما عن اتهام السيدة بثينة شعبان بعض العناصر الفلسطينية المقيمة في مخيم الرمل بأنها كانت متورطة في بعض المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت المدينة خلال الأشهر السابقة، فهو كلام مكرور كانت قد قالت بمثله أيضاً مع بداية الثورة السورية عن الفلسطينيين في مدينة درعا.
دخول بعض المعارضين للنظام السوري على خط التحليلات والتعليقات على ما كان، واعتبارهم ما حصل خطة لتهجير الفلسطينيين من منطقة الساحل السوري تمهيداً لإقامة الدولة الطائفية للنظام كحصن أخير في حال سقوط خطوطه الدفاعية المفترضة، فهو في تقديرنا أمر يدخل في خانة التخمينات والتوقعات التي يصعب إثباتها على الأقل حالياً.
وعليه، فمابين ما قاله الفلسطينيون من خصوم النظام صراحة، وما سكت عنه عموم الحلفاء منهم، وما قالته السلطات الرسمية السورية بمن فيهم السيدة شعبان وما قاله معارضو النظام وخصومه أيضاً، فإن ما فعله النظام السوري والحق يقال، يؤكد أنه عامل فلسطيني مخيم الرمل معاملة السوريين أنفسهم في كافة أنحاء المدن والأرياف قتلاً وتشريداً واعتقالاً، وإن كان ميّزهم باستخدام السفن والقطع الحربية البحرية فهو أمر مرتبط بطبيعة مكان المخيم على البحر ليس أكثر. ومن ثم، فإذا كان النظام خلال سنوات حكمه التي تجاوزت الأربعين عاماً بين والد وولد قد قتل من مواطنيه السوريين عشرات الآلاف، وهجّر أضعافهم، فليس غريباً أن ينال إخواننا الفلسطينيين في مخيم الرمل وفي كافة أماكن تواجدهم على الأرض السورية في هذا الشهر الفضيل بعض إجرامه، ولاسيما أنهم يعيشون هذه الأيام ذكرى مجزرة تل الزعتر التي كانت في الثاني عشر من آب لعام 1976 والتي قارب عدد ضحاياها ثلاثة آلاف بين قتيل وذبيح.
إن النظام السوري يمارس فاشية من طراز خاص بتوحشه في قتل شعبه على امتداد خمسة أشهر كاملة، وهي تمتد اليوم لتطال مخيماً لإخواننا الفلسطينيين هو في عهدة الأمم المتحدة. وعليه، فإن ما يفعله في السوريين والفلسطينيين وفي مخيم الرمل تحديداً،هو دعوة سافرة للتدخل الأجنبي بصورة من الصور، يتحمل كامل مسؤوليتها، لأن المجتمع الدولي الذي يُتكلم عن ازدواجيته وتآمره، فإنه في النهاية لن يقف مكتوف الأيدي ولن يسكت عن أعمال إجرامية لا إنسانية عمّت البلاد والعباد في ظل تعتيمٍ ومنعٍ لكل وسائل الإعلام الصديقة وغيرها.




















