لا يزال مفهوم الأمن المطلق هاجساً للإسرائيليين. استمرار التشبث بهذا المفهوم، على رغم ما جرّه من وقائع مضادة، يشير الى بنية تملكت التفكير الإسرائيلي، ارتاحت الى النحو بمفردات الصراع الى القدر. مشكلة إسرائيل الأولى ترجع الى أن جيرانها العرب لم يكونوا مصدر راحة لها، فالعسكر الذين حكموا حولها، كان شعار إزالتها عن الوجود عمود شرعيتهم، وهو وراء إدارة مجتمعاتهم بعقلية التعبئة المستمرة للإعداد لمعركة المصير المرتجاة. ولم يغير من الأمر شيئاً ما حصل بعد حزيران (يونيو) 1967 من تقليم للأهداف ليغدو شعار «إزالة آثار العدوان» عنوان السياسة العربية في المنطقة بدل التحرير الكامل. ولم يبارحها القلق حتى بعد إخراج مصر من ساحة المواجهة المباشرة في كامب ديفيد، وانسياق العمل السياسي العربي الرسمي نحو السياسة والمفاوضات، في إدارة الصراع. يبدو أن مرد هذا أن إسرائيل تعلم جيداً موقع الأنظمة الرسمية بالنسبة الى شعوبها، وأن هذه الأخيرة غير معنية بكل ما يقوم به قادتها، بل إنها ما زالت تعيش عند شعارات الحلقة الأولى من الصراع، خصوصاً بعد أن انحصرت علاقتها مع أنظمتها عبر أقنية الطوارئ والعنف. وقد تبلور مزاج شعبي بديل، إسلامي الهوى والهوية، غير عابئ بالسياسة، ويرى في إزالتها تكليفاً واجباً.
ومشكلتها الثانية، انها وبعد أكثر من نصف قرن على ولادتها، لم تنجح في الوصول الى صيغة كيانية ثابتة الحدود والمعالم، ولا تزال (كجيرانها) تتعرض لمشاريع وخرائط متعددة المصادر. إن حروب إسرائيل الدورية في المنطقة وتعطيلها الدائم لكل التسويات المطروحة من العرب أو غيرهم، وإعاقة قيام الدولة الفلسطينية، وكذلك اصطفاف المجتمع الإسرائيلي وراء قرار الحرب التي تبدو كحصالة لجمع الأصوات (وهو ما أبرزته الانتخابات الأخيرة) يشي بتطليق السياسة والاستسلام لصراع لا أفق له، حيث تظهر الحروب والانتخابات وكأنها عَودٌ لا بد منه الى لحظات التدشين المجيد بأيدي الآباء المؤسسين.
لا يبتعد الجيران العرب في لعبة الأقدار أيضاً، فالعروبة المجروحة بسبب انتهاك سترها من الغرب أولاً، ثم من «صنيعته»، أحالتها القوى التي جسدتها الى أيديولوجيا هوية مطلقة لا سبيل الى تحققها إلا بإزالة ما شابها من عوامل الاعتلال والتدهور. القدر العروبي قدر علماني يصنعه العرب ويستمد مفرداته وتشخيصاته من حوليات إرادة متعالية، من حيث إنها لا تعترف بالواقع بقدر ما هي مشغولة بالانقلاب عليه، فالوجود هو تماماً عكس الواقع المعاش. لقد غدت السياسة ملحمة الوجود والبقاء، فمن الجوهرانية المنسوبة الى العروبة والعربي والى أعدائهما التي برزت في مؤتمر عصبة العمل القومي 1933 الى غزليات الأرسوزي بالزعيم واشتقاقه اللغوي والرحمي للأمة، الى قدريات ميشال عفلق «القاسية والشهية» ورساليته، وايضاً مفهوم البطل الناصري الذي جاء ليملأ الفراغ السياسي والدستوري في مصر، والذي نظرت إليه الليبرالية الإصلاحية والمأزومة آنذاك على أنه يمثل «الديكتاتورية الصالحة»، من كل هذا وغيره، سيغدو الشعار الذي يختزل الصراع العربي – الإسرائيلي «صراع وجود لا صراع حدود» يحتمل مفهوم النهاية لأحد الأطراف، وهو الشعار الأثير لدى أنظمة العروبة السياسية التي قصرت مفهوم الصراع على بعده العسكري فقط. إلا أن مأساة العروبة في حزيران 1967 ستفتح الباب لأقدار السماء بالتدخل في صناعة الوقائع على الأرض.
ففي تعليله للهزيمة، أعلن عبدالناصر أنه «لا يعفي حذر من قدر»، وهو تعليل سيجد في ما بعد من سيذهب به الى أقصى حد ممكن، حيث يبدو الصراع وكأنه تنفيذ لقدر محسوم النتائج والتفاصيل.
ليست هذه بالقراءة البريئة، فإحالة الواقع المعاش الى تفصيل قدري هو مشروع الشرعية التي يجهد الإسلام السياسي لتأكيدها، والذي سيتم من خلال الهيمنة على المجتمع والدولة. إن تقاطع الأرضي مع السماوي يكاد يحضر في كل مناحي الحياة، وهو تام الحضور في تعريف الصراع مع الغرب وإسرائيل، فيغدو النصر منحة إلهية، والهزيمة عقاباً ربانياً، والصراع الحاضر حلقة من حلقات التصدي لمؤامرة بدأت أيام الإسلام الباكر على يد يهود المدينة ونصارى الروم، وهو مسار محسوم النتائج على ما وصلنا عن ملحمة نهاية الزمان وظهور المسيح الدجال، وحديث شجرة الغرقد.
* كاتب سوري
"الحياة"




















