المستقبل –
شكل اجتماع المنتدى الأمني السنوي الذي عُقد في دورته الخامسة والأربعين، يومي السابع والثامن من شباط 2009 في ميونيخ، فرصة جيدة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لعرض الخطوط العامة الرئيسية لسياساتها الخارجية الأمنية، عبر نائب الرئيس جوزيف بايدن. كما شكل، أيضاً، نجاحاً لرئيسه هذه السنة السفير الألماني السابق في واشنطن، الذي كان قد قدم الدعوة، في أيلول الماضي لإدارة بوش السابقة التي كان جوابها "لن يشارك أي مسؤول أميركي رفيع المستوى في أعمال المنتدى"، فإذا بالمنتدى يجمع حشداً بحدود 300 شخصية من القادة من مختلف البلدان. وكان تعليق السفير "سيكون أول خروج كبير للأميركيين الى أوروبا لعرض السياسة العامة للأمن الأميركي".
إن أهم ما تميز به الخطاب الأميركي في هذا المنتدى، استعراض لمختلف القضايا المتعلقة بملفات دولية هي، إما، موضع خلاف بين واشنطن من جهة، وبين موسكو من جهة أخرى، وإما، غير متفق عليها تماماً بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بنبرة توافقية إنما عند حدود معينة، وببراغماتية واضحة: "اعطونا لنعطيكم". فلم يسمع بايدن هذه المرة "آسف لا أستطيع فهم سياستك"، التي قالها وزير خارجية ألمانيا السابق يوشكا فيشر لوزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد في المنتدى المماثل بميونيخ قبل سنوات قليلة ماضية.
قال بايدن إن الولايات المتحدة ستستمع وستشارك وستتحاور مع الدول والمنظمات الأخرى، و"أميركا بحاجة الى العالم، وأعتقد أن العالم يحتاج الى الولايات المتحدة"، وهذا يعني نقداً لاذعاً وإدانة واضحة للسياسة التي كانت قد اتبعتها الإدارة السابقة والمتمثلة في أن "من ليس معنا فهو ضدنا"، وبما أن الإدارة الجديدة ستُغلب الديبلوماسية على القوة، فإنها سترفض "الاحادية" و"عقلية كل شيء أو لا شيء" وسلوك "الايديولوجيات المتشددة القاسية". لكن إذا كانت أميركا "ستقدم المزيد" فإنها "ستطلب عمل المزيد من حلفائها، وإذا كانت موسكو غير مطمئنة لمشروع الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ وترفض نشرها في أوروبا الوسطى لأن ذلك يشكل تهديداً لأمنها القومي، فعليها العمل مع المجتمع الدولي لإقناع إيران بالتخلي عن تطوير أسلحة نووية. تجدر الإشارة هنا الى أن بايدن أبدى استعداد إدارة أوباما "للتحدث مع إيران"، وقطع ربع قرن تقريباً من الصمت شبه التام مع الإيرانيين، وإذا لم تستمع طهران لهواجس الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فأمامها الخيارات التالية: الاستمرار في المسار الحالي، عندها ستعزز الضغوط وستواجه المزيد من العزلة التامة، أو التخلي عن البرنامج النووي ودعم (الإرهاب)، عندها ستكون هناك حوافز ذات مغزى تعني الإدارة الأميركية الجديدة، تماماً، قال بايدن، إن العلاقات الروسية الأميركية قد شهدت تدهوراً خطيراً خلال السنوات الأخيرة وجاءت الآن "اللحظة المناسبة للضغط على زر إعادة الانطلاق وإعادة البحث من جديد في العديد من الملفات التي نستطيع، لا بل علينا، العمل فيها معاً"، حفاظاً على المصالح المشتركة، لكن هناك أمور لا يمكن التسليم بها، فنحن "لن نعترف بأبخازيا وبأوسيتيا الجنوبية كدولتين مستقلتين"، وأضاف أنه يرفض فكرة أن مكاسب الحلف الأطلسي تعتبر خسارة لروسيا، أو أن قوة روسيا تضعف التحالف الأطلسي.
استعرض بايدن مواضيع أخرى ورؤية إدارته لها، فرأى أنه يجب الحفاط على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وأن الإدارة الأميركية مع قيام دولة فلسطينية الى جانب إسرائيل، وفي أفغانستان حيث المعركة الرئيسية التي تخوضها قوات التحالف الدولي ضد الإرهاب المتمثل بالقاعدة دعا الحلفاء الى المزيد من المشاركة، وأن القوات الأميركية ستنسحب من العراق كما تعهد الرئيس أوباما، وأن معسكر غوانتامو سيغلق وعلى الأوروبيين استقبال بعض السجناء.
استقبل المشاركون في المنتدى الخطاب الأميركي بأجواء تفاؤلية، وهذا ما عبر عنه نائب رئيس الحكومة الروسية سيرغي ايفانون، الذي يعتبر الساعد الأيمن لبوتين المسؤول عن الصناعة العسكرية، بقوله: "إن الإدارة الأميركية أرسلت إشارة واضحة وقوية جداً بإعلان رغبتها إعادة الحوار الأميركي الروسي حول كل المسائل المشتركة"، ووصلت الإشارة ونحن نرحب بـ"المناخ الجيد" الذي أصبح واقعاً، كما رحب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بمضمون خطاب بايدن طالباً من الروس "المساعدة لتكون العقوبات ضد إيران فعالة"، إذا لم تحرز المحادثات المستقبلية بين إيران وأميركا أي تقدم، وأضافت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، بعد تأييدها لساركوزي، بأنها تقترح ضم روسيا الى هيكلية الأمن الأوروبي لتعزيز الأمن والاستقرار في أوروبا، أما وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند فقد حث الإيرانيين على التقاط الفرصة الايجابية، التي تضمنها خطاب بايدن، لأنه "لا يمكن أن تكون أفضل مما هي عليه اليوم". في حين طالب، رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني علي لاريجاني، المشارك في أعمال المنتدى، إدارة أوباما بإعادة بناء بعض الجسور التي دمرتها إدارة الرئيس الأميركي السابق، لكنه شكك في جدية التغيير الذي دعا اليه الرئيس أوباما.




















