الياس حرفوش
كل الذين اعترضوا على مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير التي اصدرتها المحكمة الجنائية الدولية لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من دافع تبرئة الرئيس او بدافع مواجهة «الخطة الاستعمارية» التي ينفذها المدعي العام للمحكمة لويس اوكامبو، كما اتهمته الحكومة السودانية، بل كان اعتراضهم منطلقاً من ان اصدار هذه المذكرة ضد رأس النظام في الخرطوم من شأنه ان يضاعف من مخاطر الازمة في دارفور وأن يزيد اعداد الضحايا، كما يمكن ان يهدد ايضاً مستقبل السلام الهش في الجنوب.
حتى الحكومة السودانية لم تدفع في أي وقت ببراءتها ضد التهم الموجهة اليها في دارفور، والتي ادرجتها المحكمة الجنائية تحت بندي جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. فمع أن حكومة الخرطوم تنفي ان يكون قد قتل 300 الف شخص في دارفور حسب اتهامات المحكمة، الا انها تقول ان العدد لا يتجاوز العشرة آلاف. ماذا يعني ذلك؟ ألا يعتبر هذا الرقم كافياً لوضع الجرائم التي ارتكبت في دارفور في منزلة جرائم الحرب؟
لا تشير المخاوف التي ابداها المعترضون على قرار توقيف البشير، والتي انطلقت من حرصهم على سلام السودان واستقراره، سوى الى انهم يعترفون ضمناً بالاسلوب الذي طالما لجأ اليه الرئيس السوداني في الرد على المعارضين في دارفور، وهم بالمناسبة مواطنون مسلمون سودانيون، والذي يمكن ان يلجأ اليه الآن في محاولة للانتقام في الداخل من قرار المحكمة الجنائية. هذا الاسلوب هو الذي ميّز تعامل الخرطوم مع الوضع في دارفور على مدى السنوات الست الماضية. فالانتقام من المعارضين هناك، بحجة «تآمرهم» على النظام، أخذ اشكالاً لا يجوز القبول بها تحت اي مبرر، ومنها تجنيد ميليشيات بغطاء رسمي لارتكاب اعمال القتل والتهجير والاغتصاب. كل ذلك والعالم، بما فيه العالم العربي والافريقي، يدعو، بخجل في معظم الاحيان، الى تسوية الازمة في دارفور، من غير ان تلقى تلك الاصوات صدى لدى المسؤولين داخل النظام السوداني.
فقط عندما بدأ النظام يشعر بجدية التهديدات القانونية الدولية أخذ يتحرك للتوصل الى تسوية من اي نوع مع حركات المعارضة في دارفور ويستجدي الوساطات. لكن الوقت كان قد اصبح متأخراً، اذ ان عربة المحكمة الدولية كانت قد سارت وبات صعباً وقف الاجراءات القانونية الا بقرار من مجلس الامن، وهو ما لم تبادر اليه اي دولة من اعضائه، بما فيها الاعضاء الذين يدافعون الآن لفظياً عن الرئيس البشير، مثل روسيا والصين.
اما الآن وقد صدرت المذكرة وتحول الرئيس البشير الى اول رئيس مطلوب من العدالة الدولية وهو على رأس السلطة، ماذا يستطيع النظام السوداني ان يفعل في مواجهة هذا الوضع الجديد وكيف يستطيع اصدقاؤه ان يساعدوه؟ مما لا شك فيه ان هذا الوضع سيضع كل المتعاملين مع البشير في مأزق مع العالم. دعك من الكلام الديبلوماسي الذي يُسمع الآن، اذ ان هناك مصلحة من قبل الجميع في عدم الاصطدام بالمؤسسة القانونية الدولية، كل لحساباته الخاصة. مما يعني أن البشير قد يجد نفسه مُستفرداً امام مأزقه القانوني. لكن هذا الاستفراد لا يطال الرئيس فقط، بل هو يعني حكومته ايضاً، وهي المطلوب منها نظرياً تسليمه الى العدالة.
من حيث المبدأ يمكن ان يكون المخرج من هذا المأزق هو وضع مصلحة السودان فوق مصلحة البشير. وهناك اصوات سودانية حتى داخل حزب «المؤتمر الوطني»، ممن يدافعون حالياً عن الرئيس البشير، تدعو الى ذلك وتفضل عدم الدخول في مواجهة مع المؤسسات الدولية، لما لذلك من انعكاسات سلبية على علاقات السودان الخارجية وعلى اوضاعه الاقتصادية، فضلاً عن امكانية الافادة من هذا الوضع من قبل معارضي البشير وهم كثر. وربما تكون خشية النظام في الخرطوم من اصوات كهذه في الداخل هي التي دفعت قيادة الجيش الى اصدار بيانها امس، والذي هددت فيه بـ «التعامل بحزم» مع كل من يتعامل مع المحكمة الدولية او يتخذها منبراً للابتزاز السياسي وزعزعة الامن والاستقرار.




















