من المؤكد أن قبول المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف الرئيس السوداني عمر البشير بجرائم دارفور وفقا للاتهام الذي وجهه له المدعي العام للمحكمة لويس اوكامبو قد ادخل السودان في نفق مظلم سيقود الى انعكاسات خطيرة ليس على مستوى دارفور فقط وانما تشمل كل انحاء السودان خاصة فيما يتعلق بجهود السلام والترتيبات التي تمت في هذا الصدد سواء كانت بالجنوب والتي انتهت باتفاقية نيفاشا مع الشمال أو الجهود التي تمت بخصوص السلام بدارفور.
ان قرار المحكمة وبالصورة التي صدر بها يشكل تهديداً للسلام والاستقرار في السودان والمنطقة خاصة في ظل الانقسامات الداخلية والدولية الحادة ما بين مطالب بتحقيق العدالة وعدم الانفلات من العقاب وما بين الذين يرون اهمية التركيز على جهود السلام التي يجب ألا تتوقف باي ذريعة من الذرائع باعتبار ان السلام يجب ان يكون الهدف الاسمى الذي يسعى الى تحقيقه الجميع لان فيه المخرج من جميع ازمات السودان.
مما لاشك فيه ان الجنائية الدولية مع حرصها على تحقيق العدالة في دارفور كان يجب عليها ان تراعي الاعتبارات الخاصة بالسلام والاستقرار اولاً لأن أي قرار يعاقب السودان سيعرقل جهود السلام خاصة في ظل الرفض المطلق من الحكومة السودانية للتعامل مع الجنائية الدولية التي تعتبر ان السودان ليس طرفا فيها لانه ليس عضواً فيها.
ان هناك اعتبارات عدة داخلية بالسودان متصلة بالسلام في الجنوب ودارفور والتي تمت مؤخراً بالدوحة والتي تقودها دولة قطر بدعم عربي وإفريقي ودولي تتطلب توخي الحذر قبل اصدار مثل هذا القرار الخطير الذي يمس رأس الدولة في السودان يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية ويمكن ان تكون له آثار سالبة لانه كما اكد الاتحاد الافريقي يشكل تهديداً مباشراً للسلام في السودان وافريقيا.
ان المطلوب من الدول العربية تطوير تضامنها مع السودان ليكون موقفا جماعيا واضحا في شكل قرار ملزم للجميع بدعم مواقف السودان الرافضة لقرارات الجنائية الدولية التي لم تأخذ في الاعتبار حصانة رؤساء الدول والتي تضمنتها اتفاقية فيينا عام 1961 وان الجهود العربية يجب الا تتوقف عند الإدانة فقط بل ان تصر على تفعيل المادة 16 من نظام روما لتأجيل الاجراءات لمدة عام وان ذلك يتطلب دعوة مجلس الامن لاجتماع طارىء لاقرار القرار.
من المؤكد ان ضبط النفس من قبل الحكومة السودانية مطلوب وبشدة لتفويت الفرصة على كل متربص وان الخرطوم مطالبة بتنفيذ التزاماتها وتعهداتها الدولية خاصة فيما يتعلق بوجود بعثات الامم المتحدة العسكرية والسياسية والبعثات الاجنبية العاملة بالبلاد لان من شأن أي تهور في شكل استهداف او طرد اي بعثة سيقود الى عواقب خطيرة ويؤدي الى تطورات سالبة تضر بقضية السودان إقليميا ودوليا وتظهره بمظهر الدولة الراعية للارهاب والخارجة عن القانون.
ان الحكومة السودانية مطالبة ايضا بان تسير بخطوات جادة تجاه المحاكمات المحلية للجرائم التي ارتكبت بدارفور وان ذلك لن يتم الا بتفعيل القضاء المحلي بحيث لا يفلت احد من العدالة كما انها مطالبة ايضا بتسريع مفاوضات السلام والمصالحات الداخلية وتنقية الاجواء السياسية من خلال اشراك كل الأحزاب في حل ازمة دارفور.
كما ان المجتمع الدولي الذي يمثل الضامن الأساسي للسلام بالسودان مطالب بالعمل على تأجيل الاجراءات لمدة عام حفاظا على السلام والاستقرار وحفاظا على مصداقيته ، فليس من المعقول ان يسمح المجتمع الدولي بعرقلة السلام بالسودان بدعوى تحقيق العدالة والتي لن تتحقق الا من خلال السلام والاستقرار.




















