الحياة – 10/03/09//
دفعتني جملة أحداث، كلها تتعلق بالموت، لكتابة هذا المقال، رحيل الكاتب صالح بشير، وذكرى رحيل الكاتبين جوزف سماحة ومي غصوب. ولفتني في سيرة هؤلاء الثلاثة وجود قاسم مشترك من النضال في سبيل الحداثة والعلمنة والمبادرة الاجتماعية، وهي السمات التي ميزت مسيرة جيل من مثقفين ومناضلين عرب ولدوا بعد النكبة وبدأ بعضهم يترجل باكرا.
على هامش ذكرى هؤلاء الثلاثة، استحضرتني تجربة نضالية فريدة خاضها جيلهم كانت من الريادة والقوة بحيث شكلت فاتحة حقيقية لعصر النضال الحداثي العربي، وتميزت هذه التجربة بانتشارها على طيف واسع من المثقفين، وخاصة ذوي الاتجاهات اليسارية والليبرالية في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، كما تميزت بمركزية بيروت في هذه التجربة.
وقد شكل مثقفو ذلك الجيل، جماعات معرفية واضحة ومعينة، وطرحوا أنفسهم على أنهم قادرون على حمل مشروع الحداثة العربية، على ثقله ومعوقات السير في دروبه، وأسسوا أنفسهم على مجموعة الفكر الحداثي، بعد تكييفه ليتناسب بيئيا مع الواقع العربي.
وعندما نقول إن هذا الجيل كان رائدا للحداثة، فلأنه جاهر بها دون وجل ولا استحياء، ودون مواربة أيضا، فيُحسب له كشفه للأشياء على حقيقتها. فقد سمى الاستبداد المتجلبب برداء القومية، والمتبرج بعناوين «التحرير» و»النماء» قهرا واستبدادا عاريا، وحذر باكرا من انتشار التطرف والأصولية باعتبارها ردا طبيعيا على ظاهرة الاستبداد، ومولودا حتميا لتزاوج وتجاور الجهل والاستبداد، طارحا في سبيل تجاوز هذا المطب التاريخي بدائل حداثية وحقيقية: الديموقراطية بوصفها إناء جامعا لكل المكونات الوطنية وتحويلها إلى طاقات بناءة، والمجتمع المدني الذي يشكل سندا للدولة ورافدا ثريا لها تستمد منه قيمها وتوجهاتها.
وعندما نسبغ تهمة ريادة الحداثة على هذا الجيل، فليس في ذلك شبهة الإنشائية، ذلك أن الجيل الذي سبق واقعة النكبة العربية طرق أبواب الحداثة، لكنه لم يسر بها حتى النهاية، وحولها إلى مجرد لحظة حداثية أولى، فهو إما تراجع أمام الضغوط (طه حسين في أزمة كتاب الشعر الجاهلي)، أو «تهاون» في لحظة مفصلية مهمة (موقف سعد زغلول وحزب الوفد من علي عبد الرازق أثناء أزمة كتاب الإسلام وأصول الحكم).
وفي الواقع، لم ينقص هذا الجيل النضال والمبادرات (اغلب أبنائه شارك جسديا في فصائل المقاومة الفلسطينية في عز فعاليتها، والجزء الأخر تعرض للحبس والاضطهاد في بلاده)، كما لم تنقصه مهنية وقدرة على تحليل الواقع، أو إبداع الصيغ المناسبة للخروج بحلول أفضل، بمعنى انه توفر له كل ما يلزم لوصفه بـ»الطليعة» على ما تقول الأدبيات الماركسية، أو «النخبة» كمجاز ليبرالي، ولكن بالرغم من ذلك لم ينجز التغيير الذي نادى به وسعى إليه؟
ومع انه من المبكر الحكم على تجربة هذا الجيل، انطلاقا من واقع ان القائمين عليه لا زالوا فاعلين في حقول الثقافة بصفتهم التنويرية، والسياسية بصفتهم المعارضة، كما أن مفاعيل نتاجاتهم الفكرية ومبادراتهم مؤثرة حتى هذه اللحظة، والأفكار التي طرحوها والقيم التي ناضلوا لأجلها لا يزال رجع صداها يتردد في الحيز العربي، وإن متقطعا وخافتا… رغم كل ذلك فان ملامح المشهد العربي، وخاصة في الحقل الاجتماعي السياسي بدأت تتكشف عن تكرس واقع معاكس تماما لما ناضلوا لأجله، بل أن حالة النكوص الثقافية والقيمية العربية تشكل انقلابا واستدارة كاملة عما حلموا به.
لقد كانت تضحيات ذلك الجيل كبيرة لا يمكن إنكارها، كما كان عملهم دؤوبا في كل الحقول، لكن حلم التغيير لم يصر ناجزا، كما أن التأثير والفعالية لم يكونا بحجم الجهد المبذول، الذي تحول إلى ركام من سنوات حبس واضطهاد، فذلك كل ما تم حصاده. كما أن ذلك الجيل جرى «عقمه»، بمعنى انه لم يستطع استيلاد جيل جديد يرث نضاله، حتى يمكن المغامرة بالقول إن تجربة ذلك الجيل كانت أخر التجارب «الممانعة»، وكانوا آخر مناضلين حداثيين في التاريخ العربي المعاصر. فلماذا كانت النتيجة على هذه الشاكلة؟
-هل إن هذا الجيل تعجل في الإعلان عن نفسه ورفع سقف طموحاته، قبل ان يصار الى تجهيز البنية اللازمة والقادرة على هضم أفكاره ومبادراته؟
-أم أن الاستبداد والتخلف كانا قد تمأسسا وترسخا في الواقع العربي لدرجة صارت معها محاربتهما تبدو وكأنها نوع من المجازفة؟.
-لماذا لم يستطيعوا التأثير في البنيات الثقافية السائدة، وهل كانت هذه البنى أقوى مما تصوروا، وهل اكتشافهم لهذه الحقيقة هو الذي دفعهم إلى الارتحال، إما جسديا بالانتقال إلى العيش في الخارج، أو فكريا عبر الانتقال إلى تيارات ثقافية أخرى؟.
لكن، في المقابل، أليس النظر إلى تلك التجربة وفق هذا المنظار، فيه افتئات على ذلك الجيل، أليست هي أماني كسولة أن يطلب من ذلك الجيل أن ينجز التغيير ويكون حارسه، أليست التغييرات نتيجة صيرورة فعل تاريخية؟، هذا في المجرد والنظري، أما في مجال الملموس والمحسوس، أليس الحراك الحاصل في المجتمعات العربية هو احدى ثمار جهد ذلك الجيل، وان اختلف نمط الفعل والفعالية؟، أليس التطور الحاصل في مجال المجتمع المدني هو احدى ثمار نضالاته؟!.
من حسن أقدار الحياة الثقافية والسياسية العربية، أن ذلك الجيل لم ينكفئ ولم يفكر بالاستقالة، ولم يقنع بما وصل إليه، بل لا زال أعضاؤه فاعلين عاملين في ساحات العمل. فتحية لأرواح صالح بشير وجوزف سماحة ومي غصوب الذين ماتوا وهم يمسكون بأقلامهم.
* كاتب فلسطيني.




















