تقوم حالياً، لبنانياً وعربياً، مبادرات حثيثة لاستحداث هيئات جديدة تنظم الإعلام المرئي والمسموع، بعد أن دخل البث الفضائي كل البيوت في أقطارنا العربية. وبات من الملح حماية المستهلك من "التعديات" التي تقوم بها، على ثقافة هذا الأخير، وأخلاقه وقيمه التقليدية، وسائل الإعلام الجماهيرية.
تندرج هذه الظاهرة تحت اطار ما سمّي بالعولمة. فهذه العولمة هي قبل أي شيء آخر عملية اقتصادية، لكنها ايضاً ثقافية وإعلامية.
العولمة الإعلامية لن يستطيع أحد أن يوقف اجتياحها العالم والحد من سيطرتها على العالم الثالث.
أين تكمن المشكلة في ظاهرة العولمة الإعلامية؟
المشكلة متعددة الجوانب. نتوقف فيها عند جانب مهم وهو انها، فيما تجعل من العالم كله "قرية كونية" ـ كما قيل ـ تنتج "ثقافة جماهيرية" جديدة، كما سمّاها علماء الاجتماع، ويمكن تسميتها ايضاً "ثقافة العولمة الاعلامية"، وتشكل خطراً يهدد الثقافات المحلية التقليدية، في أسسها ونظمها، وعلى القيم ومعايير السلوك الفردي والجماعي، والنظرة إلى الحياة وإلى الآخرين والعلاقة معهم.
قبل اجتياح وسائل الاعلام الجماهيرية المنتجة للثقافة الجماهيرية، ماذا كانت الخصائص الأساسية للثقافة التقليدية؟
الثقافة التقليدية كانت تهدف تمكين الفرد من اكتساب "مبادئ عامة أساسية"، تتفرع عنها مبادئ ثانوية، وتدخل كلها في منظومة متكاملة، وبشكل منطقي، ويصبح بإمكان الفرد على ضوء هذه المبادئ ان يحكم على الأشياء، ويحدد الاولويات، ويقرر سلوكه ويتخذ خياراته وفقاً لمعايير واضحة.
من جهة أخرى، كانت مؤسسة العائلة والمدرسة المكان الأساسي حيث يكتسب الأولاد والمراهقون ثقافتهم هذه، ما يتيح لهم، تحت إشراف المربّين، اختيار أهدافهم في الحياة واكتساب الوسائل للبلوغ إلى تلك الأهداف. وكان على الفرد أن يناضل نضالاً مستميتاً للوصول إلى ما يختاره، وأياً يكن: الشهرة أو الثراء، أو السلطة، أو الابداع الفني، أو الريادة في اكتساب المعارف.
ويمكن القول بأن الفرد، في رحلته لبلوغ الهدف المنشود، كان يتسلح بأداة تقوم ـ من باب التشبيه ـ بوظيفة توجيه المسار وتقويم الاتجاه وإعادة تصويبه، وهي: "الجيروسكوب" (وهي أداة تستخدم في الطائرات والبواخر لحفظ التوازن ولتحديد الاتجاه).
أما "الثقافة الجماهيرية" الحديثة فهي تأتي عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية، وخصوصاً التلفزيون، ونادراً ما تأتي عن طريق مؤسسة العائلة أو مؤسسة المدرسة (تذكر احصاءات اجريت في الولايات المتحدة الأميركية ان الاولاد، وحتى نهاية عمر المراهقة، يقضون ما يقارب 15 ألف ساعة امام شاشة التلفزيون، وان هذا الوقت هو الأكثر بكثير مما يقضيه الأولاد في محادثة اهلهم، وعلى مدى نفس الفترة).
لقد سمّى أحد علماء الاجتماع الغربيين هذه الثقافة بأنها "ثقافة فسيفسائية"، بمعنى انها ثقافة الكم وليس النوع. تتكوّن بتكديس معلومات مبعثرة، غير مكتملة، غير مترابطة أو متسلسلة منطقياً ومنهجياً. تصلك في أي وقت كان، وكيفما كان، وبغزارة تعطيك معرفة نصف مؤكدة، وواهية، فهي بالتالي ثقافة "انسيكلوبيدية" تعلم المرء شيئاً بسيطاً ومبسطاً وجزئياً، من كل شيء. بالنتيجة، هي ثقافة وسط (هكذا يريد الجمهور، والجمهور هو الآمر والناهي في تحديد البرامج التلفزيونية!..).
أما المرجعية، في زمن الثقافة التقليدية، فقد كانت العائلة، والمدرسة، والأبطال، والقديسون، والعلماء. أي انها كانت مرجعية "عمودية". اما في زمن الثقافة "المعولمة" فقد أصبحت المرجعية "أفقية"، وتتمثل على مستوى أول بـ"الزميل"، و"الرفيق"، والجار، وابن الحي. وعلى مستوى لاحق تصبح المرجعية كل الناس، ويصبح الهدف، لاسيما في حضارة الاستهلاك، والمجتمع الاستهلاكي، ان يكون المرء مثل غيره، ومهما كلف الثمن، إذ انه من الضروري اتباع "الموضة".
وإذا كان إنسان الثقافة التقليدية يستخدم "الجيروسكوب" ليتحكم بتوجهه ولا يكون كريشة في مهب الرياح، فإنّ إنسان "الثقافة الفسيفسائية" يحمل في رأسه "راداراً". الرادار يلتقط بسرعة ما يأتي صوبه من كل الاتجاهات. ويسجل كل التحركات، لكنه لا يتحكم هو بتقرير الاتجاه المناسب الذي على سفينة حياته أن تسلكه.
أسئلة عديدة تطرحها علينا الثقافة التي تأتينا عن طريق العولمة الاعلامية، وأهمها:
كيف ننفتح على العالم ولا نضيّع خصوصيتنا؟ كيف نقدم على عملية "المثاقفة" دون أن نقتل هويتنا الثقافية؟ كيف يمكن أن نحوّل "العولمة"، في جميع أبعادها، إلى أداة فاعلة في جدلية الخصوصية والشمولية؟
كيف نقاوم؟ أجل، كيف نقاوم لئلا نستعمر ثقافياً، وبالوقت نفسه نتفاعل مع ثقافات العالم، نغتني بها ونغنيها. لا تنتظرن أن يقتلع اولادها "الدش" عن سطوحهم ما لم نوفر لهم نحن، من خلال وسائل اعلامنا، ما يؤهلهم للدخول في القرن الواحد والعشرين بخطى ثابتة، وواثقين بأن ثقافتهم قادرة على أن تكون، في آن معاً، أصيلة وحديثة.
إنها أسئلة مصيرية وليست من باب الترف الفكري، صحيح انها تطال الهوية الثقافية وقلما يعطي الناس أهمية للثقافة، إلا ان الهوية الثقافية، في نظرنا، هي تتحكم بسائر الهويات التي يعوّل عليها عالم اليوم.
"المستقبل"




















