احتضنت بالعاصمة السعودية الرياض قمة عربية رباعية مصغرة في إطار مواصلة جهود المصالحة التي انطلقت من القمة الاقتصادية التي انعقدت في الكويت في يناير الماضي ضمت كلاً من: خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح الرئيسين المصري حسني مبارك، الذي أكد قبيل توجهه إلى الرياض تطلع بلاده لإنهاء الانقسام على الساحة العربية، والسوري بشار الأسد.. وقالت مصادر مطلعة إنها كانت قمة مكاشفة.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن المحادثات بين العاهل السعودي والرئيسين الأسد مبارك والشيخ صباح تناولت «بحث عدد من الموضوعات على الساحة العربية إضافة إلى تنقية الأجواء العربية وتحقيق المصالحة لتوحيد الصف العربي».وقالت مصادر دبلوماسية خليجية في الرياض لوكالة الأنباء الألمانية إن اجتماع القادة الأربعة كان «مكاشفة» لشرح الوضع العربي و«ما آلت إليه الخلافات بين القادة العرب خاصة الدول الكبرى».وأضافت المصادر أن العاهل السعودي أكد لضيوفه الثلاثة على أن «الفرقة العربية بين الدول أمر من شأنه إتاحة الفرصة لتدخلات إقليمية دولية في الشؤون العربية».وفيما اعتبرت القمة المصغرة، التي تردد أنها كان يفترض أن تكون خماسية بمشاركة قطرية، في إطار تحرك عربي للتقارب والمصالحة واستعدادا للقمة العربية العادية التي تستضيفها الدوحة آخر مارس الجاري.. وصفتها مصادر دبلوماسية عربية لـ «البيان» بأنها تعطي مؤشرا جديداً حيال تقدم جهود المصالحة بين الدول العربية التي تُوصف بأنها معتدلة وتلك التي توصف ضمن محور الممانعة.
وذكرت المصادر أن القمة هدفت إلى إعادة إحياء المحور السعودي المصري السوري الذي برز خلال عقد تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة إلى الواجهة بعد أن تراجع خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب السعي لإقناع القيادة السورية بتجاوز تحالفها مع إيران، مقابل تقديم مزيد من الدعم السياسي والاقتصادي واستعادة المحور الثلاثي الإقليمي.
وسبقت قمة الأمس اتصالات مكثفة يوم الثلاثاء الماضي تمثلت في زيارة وفدين من الأردن والإمارات دمشق، إضافة إلى زيارة أخرى قام بها إلى المملكة السعودية وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط ومدير المخابرات اللواء عمر سليمان الاثنين.
مبارك: نعرقل المخططات الخارجية
وفي السياق، قال الرئيس المصري حسني مبارك قبيل ساعات من مغادرته عاصمة بلاده إن مصر تتطلع لإنهاء الانقسام على الساحة العربية رغم ما وصفها ب«المخططات التي تأتي من خارج المنطقة العربية» لعرقلة المصالحة.
وأكد مبارك، في كلمته الليلة قبل الماضية بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد الشريف، أن بلاده تتطلع إلى «إنهاء الانقسام على الساحة العربية، والتوصل لمصالحة حقيقية تتجاوز الخلافات بين الأشقاء العرب وتوحد كلمتهم ومواقفهم كي نتحدث جميعا بصوت واحد ومواقف مشتركة دفاعا عن قضايا أمتنا ومصالح شعوبنا».
وقال الرئيس مبارك إن مصر تجاوبت مع دعوة المصالحة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز «رغم استمرار البعض في مواقف تلقي بظلالها على أجواء المصالحة وتعكس مخططات معروفة تأتي من خارج منطقتنا».
وكان العاهل السعودي أطلق في قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت يومي 19 و20 يناير الماضي نداء إلى المصالحة وأكد تجاوز الخلافات العربية، في خضم التوترات العربية العربية وغداة توقف العمليات العسكرية في قطاع غزة. واتى ذلك الموقف أيضا غداة قمة خاصة نظمتها قطر بشأن غزة شاركت فيها إيران وسوريا ورفضتها بقوة السعودية ومصر.
وكان الزعماء الأربعة الذين جمعتهم قمة «تصفية الأجواء» في الرياض اجتمعوا على هامش قمة الكويت بمشاركة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وملكي الأردن الملك عبدالله الثاني والبحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
ويظن مراقبون أن العاهل السعودي يريد أن يعيد تشكيل موقف عربي موحد خلف المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل والتي عرضتها السعودية في الأساس، ولو في إطار منح المبادرة «فرصة أخيرة»، وهي المبادرة التي سبق للأسد أن اعتبرها ماتت، والتي قال الملك عبدالله خلال قمة الكويت إنها لن تظل مطروحة على الطاولة إلى الأبد. وتنعقد القمة المصغرة أيضاً بموازاة جهود لانجاز مصالحة فلسطينية تعيد لم الشمل بين الضفة الغربية حيث تمارس السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس نفوذها، وبين قطاع غزة الذي سيطرت عليه حركة «حماس» المدعومة من إيران وسوريا في صيف 2007.
محللون: إيران المستهدفة بالمفاتحات السعودية لسوريا
تصلح المملكة العربية السعودية علاقاتها مع سوريا لاستعادة مظهر التناغم العربي قبل قمة تعقد هذا الشهر وتهدئة التوترات الإقليمية ودفع دمشق نحو تهدئة تحالفها مع طهران.
وفي حين عبر الرئيس السوري بشار الأسد عن استعداده لتحسين العلاقات العربية لم يظهر استعدادا لقطع العلاقات مع إيران المستمرة منذ 29 عاما.
وقال مسؤول عربي يتمتع بعلاقات وثيقة مع السعوديين إن «الأولوية الأولى للسعودية هي مواجهة إيران وجدول أعمالها في العالم العربي. السعوديون يريدون إضعاف بطاقات طهران في العالم العربي وبالتالي (يجيء) النهج الجديد تجاه سوريا». وأضاف المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: «يعلمون أنه سيكون من الصعوبة الشديدة بمكان قطع العلاقات بين سوريا وإيران لكنهم يأملون إضعاف هذا التحالف من خلال إظهار ما سيجنيه السوريون إذا عادوا إلى الحظيرة العربية».
من جانبها تحرص سوريا على التخلص من أي بقايا للعزلة الدبلوماسية التي تحملتها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري العام 2005. ونفت دمشق أن يكون لها أي يد في حادث الاغتيال الذي تنظره محكمة دولية بدأت عملها هذا الشهر. وشعرت سوريا بالغضب بسبب انضمام السعودية ومصر للضغوط الدولية التي أجبرتها على الخروج من لبنان في العام 2005 وقوّت تحالفها مع إيران وحزب الله اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية في عداء مشترك لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما المحافظين العرب.
وخففت السعودية من حدة موقفها المناهض لسوريا بعد أن ساندت دمشق العام الماضي اتفاقا تم بوساطة قطرية بين الفصائل اللبنانية وتحدثت الإدارة الأميركية الجديدة عن الاتصال مع دمشق.
وبخصوص التقارب السوري السعودي المتسارع قال رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السعودية جمال خاشقجي إن «الأمر يتعلق بالعمل الجماعي أي العمل العربي المشترك». وأضاف خاشقجي أن من شأن عودة سوريا «إلى الفريق» أن تتيح إجراء الانتخابات اللبنانية في يونيو دون أعمال عنف فضلا عن تعزيز محادثات المصالحة الفلسطينية التي ترعاها مصر وإعطاء دفعة لاحتمالات إجراء مفاوضات بين العرب وإسرائيل. وتابع أن السعودية تريد من سوريا التعاون بشأن لبنان حيث تدعم الدولتان كتلا سياسية متعارضة، وأن تفكر في جارتها على أنها «ند وليست تابعاً».
وتسارعت وتيرة جهود المصالحة السعودية السورية قبل قمة عربية ينتظر عقدها في الدوحة في 30 مارس الجاري، لكن دبلوماسيا عربيا بارزا في الرياض قال انه ليس من السهل تضميد جراح شخصية إلى جانب أنها سياسية. وأضاف أن «زعماء دول الخليج العربية شعروا بإهانة شديدة عندما وصفوا بأنهم أنصاف رجال»، مستحضرا تصريحات وجهها الأسد بعد الحرب التي شنتها إسرائيل في العام 2006 ضد حزب الله في لبنان.
وأضاف الدبلوماسي أن «سوريا ستأخذ الأمور ببطء وحذر شديدين لضمان ألا تخسر إيران». وأرجع معظم شعبية الأسد في الشارع العربي إلى خطابه المتشدد ودعمه لحزب الله و«حماس».
في الوقت نفسه لا تستطيع سوريا تجاهل المفاتحات السعودية او تلك التي بدرت من الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي خفف من حدة العداء الذي أظهره سلفه جورج بوش تجاه دمشق وطهران. وتريد السعودية نزع فتيل النزاع العربي الإسرائيلي جزئيا لحرمان إيران والمتشددين الإسلاميين من نداء يتمتع بقوة جذب لإثارة الاستياء ضد الحكومات العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة. ودعا وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الأسبوع الماضي العرب إلى الاتفاق حول كيفية التعامل مع التحدي الإيراني فيما يتعلق بالقضية النووية وأمن الخليج و«اختراق بعض الأطراف الخارجية للشؤون العربية في العراق وفلسطين ولبنان».
الرياض، القاهرة ـ عبدالنبي شاهين والوكالات
رويترز




















