وليد شقير
يوماً بعد يوم، وإثر مضي زهاء 10 شهور على انتخابه، يثبت الرئيس اللبناني ميشال سليمان انه يقدم إضافة الى المساعي الخارجية والداخلية التي تهدف الى معالجة التوترات على الساحة اللبنانية وإلى خفض نسبة الاحتقان، ويعطي وزناً للتمنيات بأن تتمكن الرئاسة الأولى من لعب دور متوازن بين الفرقاء، الإقليميين والمحليين، وسط الخلفيات الكبرى للصراع القائم بين هذه القوى، والتي ما زالت ماثلة على رغم بعض مظاهر التهدئة.
ومع ان الخطاب السياسي المعتدل والمتوازن الذي يعتمده الرئيس اللبناني، لا يؤدي الى حلول للأزمة القائمة في لبنان، فإنه على الأقل قادر على حماية الهدنة. وقد يجد البعض، لمناسبة التصريحات والمواقف المعلنة لسليمان أثناء زيارته باريس، انه لا يفعل سوى قول كلام يرضي الفريقين معاً، أو لا يرضي أياً منهما في نهاية المطاف، لكن مراجعة ما يصرح به تثبت انه مع مراعاته حساسيات الفرقاء فإنه لا يفعل ذلك من باب التسليم بالأمر الواقع بل من زاوية الأمل بحصول تسويات بين منطقين، في نهاية المطاف. والوقوف في الوسط، بين "نزع سلاح حزب الله" وبين بقائه الى ما لا نهاية وبشتى الذرائع في ظل معادلة "تسليم السلاح في إطار استراتيجية للدفاع عن لبنان". كما قال في باريس، وقيادة اللبنانيين الى المساومات والتسويات، التي يقوم عليها الوطن الصغير، تتطلب الانطلاق من المسلمة التي تقول إن لا "أحد يملك وكالة حصرية بمعاني الوطنية والإخلاص والاستقامة والمقاومة…"، وإلا كيف التوفيق بين وطني وخائن ومستقيم وغير مستقيم وبين مقاوم ومعاد للمقاومة…
إنها طريقة الرئيس سليمان في تدوير الزوايا التي جعلتها الصراعات بأصولها الإقليمية أكثر حدة مما يحتمله حجم لبنان، فجرى تضخيم كل شيء وتم تكييف لغة التعبئة السياسية في لبنان مع الأحجام الكبرى لفرقاء الصراع الإقليميين لتبرير الالتحاق بهم…
تتطلب إعادة لغة التخاطب الى شيء من المعقولية والإيحاء بأنه يمكن تقزيم حجم الخلاف، قياساً إلى حجم لبنان، اعتماد صيغ من النوع الذي سبق ذكره، ومن النوع الذي يقترح "إجراء الإصلاحات الدستورية (إثر الانتهاء من الانتخابات النيابية)، بعد تطبيق الطائف لنهتم مجتمعين بالخلل الموجود ونصححه…"، فاستخدام التعابير التصالحية من اجل التطرق الى القضايا الحساسة والشائكة (الإصلاحات الدستورية والسلاح…)، يتطلب كفاءة وعقلانية، وذهناً يهيِّئ لخطوات مستقبلية بالتناغم مع ظروف خارجية ملائمة.
ولربما تعين اللهجة التصالحية، أو التوافقية عند سليمان، في بعض القضايا الشائكة، على أخذ مواقف حاسمة في قضايا أخرى لا تقل تعقيداً. فهو يتدرج في موقفه المستقل عن بعض السياسات الإقليمية، على رغم مراعاته لحجم البلد الذي يمثل، ومن دون ادعاءات في ما يخص تناقض المصالح والقدرة على وقف التدخل من قبل القوى الإقليمية في الشأن الداخلي اللبناني. هكذا يرفض اقتراح دخول لبنان مفاوضات مع إسرائيل، الذي طرحه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وسبقه الى الإيحاء بإمكان حصولها الرئيس السوري بشار الأسد قبل أشهر. وهكذا ايضاً يصر سليمان على ان تتعاطى الدول الأخرى مع الدولة اللبنانية عبر رئيسها، خصوصاً تلك التي لها علاقات مع فرقاء داخليين.
بين اللغة التصالحية، والمواقف التي يغلب عليها الحسم في القضايا الوطنية، مثل التفاوض مع إسرائيل، يتدرج الرئيس سليمان في تمييز نفسه عن سلفه الذي طبع عهده شعار وحدة المسار والمصير، واعتمد لهجة الجزم والحسم والانقسام في كل شيء. وفي هذا التدرج يصبح تفضيل الرئيس اللبناني قيام كتلة وسطية في الانتخابات النيابية، وسط عدم حماسة دمشق لهذه الكتلة، نتيجة تفضيلها انتصار المعارضة، سعياً وراء تأمين قاعدة نيابية للرئاسة، فيما الرئاسة السابقة لم تكن تعتمد إلا على القاعدة المشكّلة من حلفاء سورية.




















