وسام سعادة
تبادَل النوّاب التهاني، لأنّهم صادقوا، بإجماع الحاضرين منهم، على اقتراح تعديل دستوريّ يقضي بخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة. توجّه البعض منهم بالتهنئة إلى الشباب اللبنانيّ كونه فرض حقّه في الاقتراع من طريق مشاركته في إحدى ورشتي تحرير البلد، "التحرير" أو "الاستقلال".
لا عجب أن تنتاب الفرحة مجلساً نيابياً تنقضي ولايته بعد أشهر، فهو نجح في تحريك مطلب إصلاحيّ مزمن، بعد أن حرمه "التعطيل" طويلاً من عمله التشريعيّ.
وليس من شكّ أن الأكثرية الجامعية التي لا يحقّ لها الانتخاب لأنّها دون الـ21 سنة قد سَعُدَت هي أيضاً بهذه البادرة، مع أنّها لن تنتفع منها هذا العام، وإنّما عليها الانتظار قليلاً لموسم بلديات 2010 أو تشريعيّات 2013.
لكنّ المشكلة أنّه جرت المصادقة، بالإجماع، على خفض سنّ الاقتراع، من دون أن يقوم نقاش حقيقيّ حول إيجابيّات الأمر وسلبيّاته، وما الذي يقدّمه ذلك بالنسبة إلى الديموقراطيّة اللبنانيّة.
ومن المفارقة بمكان، أن يصادق المجلس النيابيّ بالإجماع على هذا الاقتراح رغم كل التحفّظات الموجودة في المجتمع اللبنانيّ عليه. فهذا الإجماع يعني أنّ هذه التحفّظات لم تؤخذ بالحسبان.
لكنّه يعني أيضاً أن هذه التحفّظات، وبالشكل الذي طرحت فيه، قد عازتها الحجّة، وافتقدت إلى المبرّرات التي تسوقها لردّ مسألة تخفيض سنّ الاقتراع.
فهذه التحفّظات احتمت بمنطق التخوّف من الخلل في الميزان الديموغرافي الطوائفي نتيجة لخفض سنّ الاقتراع، في حين كان عليها أن تحمي هذا المنطق.
لقد تعاملت هذه التحفّظات مع مسألة تخفيض سنّ الاقتراع على أنّها ديموقراطية حكماً، وإصلاحية بالضرورة، وعصرية للغاية، إلى درجة أن كلّ متخلّف عنها متخلّف عن الرّكب الديموقراطيّ.
فمنذ أن طرح مطلب تخفيض سنّ الاقتراع في لبنان عشية الحرب الأهلية اللبنانية، وكأحد العناوين في خضمّ هذه الحرب، تعامل المتحفّظون عليه على أنّه "حقّ طبيعيّ" ليس يمكنهم الوقوف ضدّه على طول الخط، إنّما من واجبهم ومن مصلحتهم تمرير "حق طبيعيّ" آخر بمقدوره التخفيف من الخلل الديموغرافي الذي يؤدّي إليه تخفيض سنّ الاقتراع.
لكن من قال إن تخفيض سنّ الاقتراع من 21 سنة إلى 18 سنة هو بحدّ ذاته "حقّ طبيعيّ"؟
ومن قال إن تخفيض سنّ الاقتراع على هذا النحو هو شرط لتطوير الديموقراطية قبل أن يكون نتيجة لتطوّر الديموقراطية في البلد المعنيّ؟
ففرنسا لم تعمد إلى هذا التخفيض إلا عام 1974، في عهد فاليري جيسكار ديستان، وبأثر من الثورة الطلابية والشبابية لعام 1968، بعد أن كان حق الاقتراع فيها قد انخفض قبل ذلك من 30 إلى 25 إلى 21 عاماً.
أما بلجيكا فخفّضت سنّ الاقتراع إلى 18 سنة عام 1990، وسويسرا تأخّرت حتى عام 1996.
هذه التجارب الديموقراطية لم تعمد إلى هذا التخفيض إلا في مرحلة متقدّمة من تطوّرها السياسيّ.
كما أنّها فصلت منذ البدء بين مسألتين ليس هناك من رابطة سببية بينهما، مسألة سن الاقتراع من ناحية، ومسألة السنّ القانونية من ناحية أخرى.
والحال أنّ الرأي الذي روّج لتخفيض سنّ الاقتراع في لبنان تحجّج منذ البدء بهذه الرابطة السببية غير الموجودة بين سنّ الاقتراع والسنّ القانونيّة.
ومع أنّ تخفيض السن لم يعمّ القارّة الأوروبيّة إلا في التسعينيات، فقد تجدّدت أيضاً دعوات إلى رفع سنّ الاقتراع في هذه الدول لمحاصرة المدّ الانتخابيّ لأحزاب اليمين المتطرّف. ليس هناك إذن من "سنّ طبيعيّة للاقتراع". المسألة خاضعة لمصلحة اللعبة الديموقراطيّة وكيف تحمي هذه اللعبة نفسها من الاتجاهات الطاردة أو المعطّلة داخلها.
وإذا كانت النمسا عمدت إلى تخفيض سنّ الاقتراع إلى 16 سنة فلذلك علاقة بمواجهة مشكلة "شيخوخة المجتمع" حيث ترتفع أكثر فأكثر نسبة المسنّين وتنحدر نسبة الشباب. كان التخفيض في الحالة النمساوية حاجة فرضها التوازن بين الأجيال. لا يمكن إذن إسقاط المعالجة نفسها على دولة في العالم الثالث تعاني من اختلال من نوع آخر بين الأجيال، ولمصلحة من هم دون العشرين من العمر.
ويُذكر أيضاً أنّه في النمسا قامت حركة تدعى "حقّ الاقتراع منذ الولادة" تغالي في مسألة تحقيق التوازن بين الأجيال إلى حدّ أنها تطالب بأصوات إضافية للأطفال تكون في عهدة ذويهم أو المربّين. مثل هذا التدبير يمكن اعتباره "ثورياً" في حال النمسا، لكنّه سيكون "رجعياً" حكماً إن اعتمدته أيّ دولة في العالم الثالث.
في النمسا يشهد تخفيض سنّ الاقتراع إلى 16 سنة على تطوّر التجربة الديموقراطية. لكنّ كوبا تعتمد هي أيضاً سنّ اقتراع مماثل من دون أن يؤدّي ذلك إلى أي اصلاح ديموقراطيّ في نظام الحزب الواحد المنقولة زعامته من الشقيق لشقيقه.
فهل درست المسألة في كل أبعادها لتحديد سنّ الاقتراع الأنسب في المجتمع اللبنانيّ؟ فالمسألة لا تختزل فقط في أهلية هذه الفئة أو تلك، وإنّما في ما يسهمه أي تدبير إصلاحيّ من هذا النوع في تنشيط اللعبة الديموقراطية.
والحال أنّه في لبنان ليست التوازنات الديموغرافية الطائفية وحدها هي التي ينبغي أن تحتسب عند النظر في مسألة تخفيض السنّ. ثمة أيضاً بعدان مركزيان للمسألة.
أوّلهما هو علاقة سنّ الاقتراع بحمل السلاح. لم يكن ممكناً تخفيض سنّ الاقتراع من 25 إلى 21 إلى 18 إلى 16 في البلدان الأوروبية لو لم تستطع هذه البلدان أن تكرّس مبدأ احتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ، لا سيّما وأنّ الظواهر التي تحمل السلاح غير الشرعي تكثر في العادة في سنّ ما دون العشرين. في المجتمعات التي لم تتمكن بعد من اعتماد مركزية الدولة في الأمن والدفاع يتحوّل أي تخفيض لسن الاقتراع بإتجاه أكثر "شبابية" إلى جعل مسألة السلاح غير الشرعيّ مستعصية.
المسألة الثانية لها علاقة بالتوازن بين الأجيال، وتفاوت هذا التوازن في ما بين الطوائف اللبنانية. ففي الدول الأوروبية، كانت الحاجة إلى تخفيض سن الاقتراع أكثر فأكثر نابعة من واقع ارتفاع المعدّل العمريّ للسكان وانخفاض نسبة الشباب. فكي لا يكون التمثيل البرلماني محصوراً بالمسنّين فقط، ولكي لا يكون الشباب في المقابل مصيدة للاتجاهات المتطرّفة، جرى تخفيض السنّ. إذا ما اعتمد هذا المعيار لربّما وجب أن يحدّد سنّ اقتراع مناسب لكل طائفة في لبنان. أما إذا لم يعتمد هذا المعيار فينبغي تبيان المعيار الذي اعتمد والذي على أساسه صار الجميع إصلاحيون في هذا البلد وهم ينادون بتخفيض سنّ الاقتراع.




















