ثارت تساؤلات عديدة في سورية ولبنان في الفترة الأخيرة حول ما إذا كان الانفراج السياسي الحالي في العلاقات بين البلدين سيؤدي إلى تحسين التبادل التجاري بين البلدين.
ويأتي ذلك عقب بدء السفارة اللبنانية أعمالها في دمشق, والزيارات المتكررة للمسؤولين اللبنانيين إلى سورية.
ويذكر أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد تأثرت بسبب سوء العلاقات السياسية بينهما إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005.
وحسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء التابع لرئاسة مجلس الوزراء السوري يحتل لبنان المرتبة 10 على قائمة المستوردين للبضائع السورية, والمرتبة 14 على قائمة الدول التي تم الاستيراد منها وذلك لعام 2005.
التبادل التجاري يتم حاليا بين البلدين في إطار معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1993، والتي شملت على اتفاقيات زراعية وصناعية وتجارية وصحية, والتي لطالما اشتكى الطرف اللبناني من عدم عدالتها ودعمها للمصالح السورية على حساب المصالح اللبنانية.
وكان قد جرى خلال اجتماع اللجنة الزراعية "السورية-اللبنانية" المشتركة في الثالث من تموز السنة الماضية التوقيع على اتفاقية تطوير تبادل السلع الزراعية بين البلدين, أبرز ما ورد في الاتفاقية كان السماح باستيراد البطاطا اللبنانية عبر الشاحنات بعد أن كان عبورها محصورا فقط بالبرادات.
والبطاطا من أهم السلع الزراعية اللبنانية التي يتم تصديرها إلى سورية, بالإضافة إلى الموز والليمون الحامض, فيما تشكل البندورة والجزر والزيتون أهم السلع الزراعية السورية المصدرة إلى لبنان.
و حسب تقارير إدارة الجمارك التابعة لوزارة المالية اللبنانية فإن قيمة الصادرات اللبنانية إلى سورية انخفضت من 12,23% من الصادرات اللبنانية عام 1993, إلى ما نسبته 8,30% من إجمالي الصادرات اللبنانية عام 2004, لتصل إلى 7,46% عام 2007.
النائب اللبناني أكرم شهيّب, صرح في العشرين من تموز الفائت أنه يجب إلغاء المعاهدة السورية- اللبنانية الموقعة في أيار 1992 بين سوريا ولبنان في عهد الوصاية لأن دور لبنان لم يكن إلا للترحيب والشكر, مؤكدا أن اتفاقية التعاون والأخوة والتنسيق حفظت لسوريا الدور وأنهكت لبنان.
فيما رد وزير الخارجية السوري على هذا الاتهام بأن هنالك أيضا في سورية من يقول ان هذه الاتفاقيات مجحفة بالحقوق السورية, مشددا على أن هذه الاتفاقيات تتم إعادة النظر فيها من قبل الوزراء المعنيين في البلدين.
الدكتور منذر خدام, الأستاذ في كلية الزراعة في جامعة تشرين, قسم الاقتصاد الزراعي, قال "سورية ولبنان بلدان متجاوران, وهما يكملان بعضهما اقتصاديا, فسورية تستطيع الاستفادة من خبرات لبنان الذي يمثل مركزا خدماتيا دوليا, ولبنان بلد صغير في النهاية وسورية منفذه البري الوحيد عمليا, لأن حدوده البرية الأخرى هي مع إسرائيل".
ونفى الدكتور خدام ما قيل عن أن الاتفاقيات بين البلدين كانت دوما لمصلحة سورية، وفقا لما يشتكي الكثير من اللبنانيين عن رجحان الكفة السورية في هذه الاتفاقيات، وعدم استفادة الجانب اللبناني منها إلا بشكل محدود جدا "الاقتصاد اللبناني يختلف في طبيعته عن الاقتصاد السوري فالاقتصاد اللبناني يعتمد على السياحة, بمعنى أن اللبنانيين يجلبون المستهلك إليهم, وهذا ما يدعى بالتصدير الداخلي, خاصة مع تميز الزراعة اللبنانية في مجال إنتاج وتسويق وتعبئة وتغليف الفاكهة بشكل خاص, بالإضافة إلى أن خبرات اللبنانيين ذات مستوى عالمي في مجال البنوك والصرافة على سبيل المثال".
كاتب ومعارض سوري، مدرس تاريخ في محافظة اللاذقية, في العقد الخامس من عمره, أكد أن جميع الاتفاقيات التي انبثقت عن معاهدة التعاون والتنسيق لعام 1993, والتي فرضها الوجود السوري في لبنان, وانتهاء بالاتفاقيات الأخيرة, جميعها تصب في مصلحة سورية دون لبنان "البضائع السورية المصدرة إلى لبنان لم تخضع يوما للمواصفات القياسية العالمية, ولا لرقابة الجمارك السورية أو اللبنانية, البضائع تفرض فرضا على السوق اللبنانية , ويدعم ذلك انخفاض تكاليف إنتاج السلع, مقارنة مع مثيلتها اللبنانية".
مؤكدا بأن التجار اللبنانيين يستخدمون سورية كممر عبور إلى الخليج والعراق, لتصدير بضائعهم, وليس كسوق تصدير.
ويتابع، بأن أي تطوير للعلاقات الاقتصادية بين البلدين اليوم، يحتاج أن يقوم على علاقات سياسية ندية ومتوازنة" مؤكدا أنه لا يمكن البناء على العلاقات الماضية التي تميل لصالح طرف دون آخر. وأن "الانفراج السياسي بما يتضمّنه من إعادة النظر في الاتفاقيات السابقة وتفعيل دور المجلس الأعلى سيكون ذو أثر ايجابي ملحوظ على مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين, كما على مستقبل العلاقات السياسية, فيما لو كان هنالك تعامل ندّي بين الطرفين, ورقابة على السلع المصدرة من الطرفين, كما تسهيلات من الجانبين, مع ضرورة الفصل بين الصعيدين الاقتصادي والسياسي في العلاقات الثنائية".
وقد أشار إلى أن المناخ السياسي المتأزم الذي ساد العلاقات السياسية بين البلدين ترك بصماته على حجم التجارة بين البلدين, سواء كانت عبر النوافذ الشرعية أو غير الشرعية, ولبنان قد تأثر سلبا بشكل أكبر لأن سورية هي منفذه البري الوحيد.
وقد انخفضت نسبة المستوردات اللبنانية من سورية من 4,98% من إجمالي مستورداتها عام 1993, إلى 2,55% من المستوردات اللبنانية لعام 2004, وواصلت انخفاضها لتصل إلى 1,74% عام 2007.
وهو ما يؤكده الدكتور خدام الذي يشدد على أن التعاون الاقتصادي يحتاج بالضرورة إلى مناخ سياسي ملائم, لافتا إلى أن انتقال الأزمة التي سادت العلاقات السياسية السورية اللبنانية على الحقل الاقتصادي كان بطيئا, فقد بقيت العمالة السورية رغم الاعتداء عليها, وهو ما يؤكد ضرورة تحسين العلاقات السياسية لتنعكس على الاقتصاد.
خاص الرأي




















