لا يزال الفلسطينيون يراهنون على حوار الفصائل الذي انفرط عقده الخميس، وينظرون بامل اقوى الى امكان معاودته في اقرب وقت لانهاء الانقسام وتعزيز وحدتهم ومواجهة التحديات الخارجية، وخصوصا مشروع اللادولة الذي يعرضه رئيس الوزراء الاسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو عليهم بدل مشروع "حل الدولتين".
هذا التحدي الكبير لم يجد بعد مستوى مناسباً من المسؤولية في متن حوار الفصائل على رغم اهمية الحوار طريقا لحل الخلافات، وهو الطريق الذي استبعد من حياة الفلسطينيين بعد انقلاب غزة منتصف عام 2008، وربما يكون الانجاز الابرز في حوار القاهرة. ذلك أن عدم التوصل الى اتفاق ينهي الانقسام هو تحصيل حاصل لمسافة واسعة من الخلافات تطاول كل منظومة العمل السياسي والوطني بين فصيلين كبيرين هما "فتح" و"حماس"، من الاهداف الى الوسائل الى ادارة الحياة اليومية الى العلاقات الاقليمية، مع ان العامل الاخير القى بظلال ايجابية على حوار القاهرة خصوصا بعد المصالحات التي جرت بين مصر والسعودية وسوريا.
بيد ان الخلافات المباشرة المستمدة من منظومتي عمل ورؤى لدى الفصيلين الكبيرين ومن شبكة المصالح الاقليمية والدولية المشروعة وغير المشروعة تحد كثيراً من انتاج مصالحة والتأسيس لعقد جديد.
وهذه الخلافات تندرج في ثلاثة ابواب رئيسية:
اولا: الكيفية التي يمكن من خلالها انضمام بقية الفصائل الفلسطينية الى منظمة التحرير ومؤسساتها القيادية (حماس، والجهاد الاسلامي) خلال المرحلة الانتقالية، هي موضع خلاف كبير. فالى كون المنظمة هي البيت الفلسطيني قبل قيام الدولة، الا انها صارت الاطار القانوني والشرعي المعترف به لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية. ومع انه من غير المناسب اليوم المس بهذه المكانة من اي جهة خارجية او داخلية، الا ان حركة "حماس" لا تريد للمنظمة ان تكون ما هي: ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وهي تتحدث في كثير من المناسبات عن اعترافها بالمنظمة والانضمام اليها بعد اصلاحها، ولا يجري الحديث هنا عن اصلاح، لان ما يُعترض عليه ليس ضعف المبنى الهيكلي للمنظمة، وانما برنامجها وقيادتها. فاعتراض "حماس" على البرنامج هو كلام زائد لأن لا برنامج لها يختلف عن برنامج انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية، وهذا ما هو معلن. لذلك تريد "حماس" من انضمامها الى المنظمة السيطرة على القرار السياسي الفلسطيني مع حلفائها الاقليميين. وهؤلاء لديهم طريق آخر يختلف عن المنظمة وعلاقاتها الاقليمية والدولية. المنظمة مستعدة للتسليم بقيادة أي فصيل لها اذا وافق على برنامجها ومكانتها كما هي بشرعيتها وشرعية برنامجها الآنف الذكر. وبعد ذلك لا ضرر من اصلاح، اكان حقيقيا ام لا.
وما تقترحه "حماس" في لجان الحوار لا علاقة له باي اصلاح. فعلى سبيل المثال اقترحت الحركة اصلاح المؤسسة الامنية باعادة تشكيل عناصرها بحيث يكون 40 في المئة من افرادها لـ"فتح" ومثلها لـ"حماس" و20 في المئة لبقية الفصائل، مما يفسر ان مطلب الاصلاح لا يعني اكثر من اصلاح الحصص لا اصلاح البرامج والهياكل. وكذلك تريد تشكيل هيئة موازية للمنظمة موقتا لا مشاركة في اطرها الرسمية، وان تكون الهيئة القيادية للمنظمة مرجعية موازية لمنظمة التحرير بل ربما تكون لها مرجعية اعلى من المنظمة. وهو ما يثير حفيظة المنظمة قبل التأكد من تكيف "حماس" مع برامج المنظمة وقدرتها على ترجمة برنامج انهاء الاحتلال واقامة الدولة الى واقع في مواقفها السياسية وتكتيكاتها اليومية، علماً أن مسؤولين كباراً في المنظمة قالوا اخيراً أنهم على استعداد لأن يعطوا "حماس" كل المنظمة ليتصرفوا بها، على ان يوافقوا على تقسيمها وتقسيم قرارها، وان المسؤولية التاريخية تقتضي الحفاظ على وحدة المنظمة ووحدة مواقفها في وجه اسرائيل وحكومتها اليمينية العتيدة وحشرهما في مواجهة العالم لا حشر الفلسطينيين في دائرة حصار خصوصا مع ضعف الامل في امكان اطلاق عملية سلام جدية قريبا على رغم الاشارات الاميركية الايجابية في هذا الشأن.
ثانيا: شكل التعديل الذى سيطرأ على قانون الانتخابات الفلسطيني: اذ اصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قانونا الغى بموجبه النظام الانتخابي المختلط، وجعل الاراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة. وتريد "حماس" العودة الى النظام المختلط. وهي تبرر اعتراضها على القانون الجديد بانه يعطي الاحتلال حق اعتقال اسرائيل نواباً لانهم ينتمون الى هذا الفصيل او ذاك كما حصل مع نواب كتلة "التغيير والاصلاح" التابعة لها، علماً أن اسرائيل تعتقل نوابا من "حماس" ومن "فتح" ولا تأـخذ اذنا من احد. لكن "حماس" تدرك ان قانون الدائرة الواحدة لا يعطيها اكثر من نسبة تاييدها العامة في المجتمع الفلسطيني، اذ حتى لو تراجعت نسب تاييد "فتح" فان "حماس" لا ترتقي الى تجاوز نسبة ثلث المقترعين، مما يعني منع أي مفاجآت تتجاوز تعزيز مكانة هذا الفصيل او ذاك. نقطة اخرى تريدها " حماس" هي حرمان الفصائل والاحزاب والحركات السياسية دخول البرلمان من طريق رفع نسبة الحسم الى اكثر من 8 في المئة في مقابل واحد ونصف في المئة اقترحتها الفصائل واقترحت "فتح" بين 3- 4 في المئة. وواضح ان قيم الديموقراطية ضعيفة جدا في مقترحات النسب العالية للحسم.
ثالثا: عقدة العقد السياسية هو برنامج حكومة التوافق الوطني الانتقالية. فما هو مطلوب من اي حكومة فلسطينية، اكانت انتقالية أم غير انتقالية، ان تكون لديها القدرة على التكيف مع برنامج المنظمة والأسس القانونية التي قامت عليها السلطة الفلسطينية الا اذا ارادت الانسحاب من كل مشروع التسوية، اذ انها سلطة انتقالية مهمتها ادارة الحياة اليومية الفلسطينية قبل اقامة الدولة الفلسطينية، وانه من دون الاعتراف بها وبالاتفاقات الثنائية والدولية الموقعة لتأسيسها لا يمكن المشاركة في مؤسساتها ولا قيادتها. ويعد كلاما زائداً عن الحاجة كل حديث يقفز عن هذه الحقيقة، واي ملاحظات على هذه السلطة وادائها لاي فصيل مشروعة اذا كانت تتعلق باي تقصير في اداء هذه الوظيفة ولأي سبب كان، لا ان ينتقد الاسس لضمان حصة اكبر له في كعكة السلطة.
حركة "حماس" تنتقد السلطة في غير مهمتها: أي اعترافها باسرائيل. والتزامها نبذ العنف وحق اسرائيل في الوجود. اليست هذه شروط الرباعية التي يحاول مدير المخابرات المصرية عمر سليمان صوغ تسويات مع واشنطن لدمج حركة "حماس" في عملية من هذا النوع؟ هل ينجح؟ الامر يتوقف على قدرة "حماس" على الجمع بين عدم اعترافها صراحة باسس التسوية السياسية وقدرتها على فرض معادلة سياسية جديدة في الوضع الدولي والاقليمي تكون فيه جزءا من حل لا جزءا من المشكلة. وثمة شك كبير في امكان رؤية حل لمشكلات الفلسطينيين اليوم من تغيير هذا الموقف ومن دون ضغوط اقليمية كافية.
العرب على ابواب قمتهم في الدوحة يواجهون تحديات ليست سهلة امام اسرائيل يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو، ونفوذ ايراني متنام، وفرصتهم ان ينزعوا فتيل انفجار وحدتهم الهشة من خلافات الفلسطينيين الصعبة وغيرها.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"




















