ممنوع اسرائيلياً وصف القدس بأنها "عاصمة… حتى للثقافة العربية" لأنه يمهد لطموح القدس لأن تصبح عاصمة لدولة فلسطين، لذلك كانت الهجمة الشاملة والشرسة التي اعتقلت خلالها اجهزة الامن والمخابرات والشرطة المسؤول عن ملف القدس في السلطة الفلسطينية وعددا من القيّمين على الاعداد لمختلف الانشطة والندوات العالمية والفنية التي طالت بدورها الاحتفالات بعيد الام في المدارس العربية في القدس. كما هددت السلطات الامنية باستعمال القوة اذا قام "مركز محمود درويش" بأي نشاط في المناسبة، مما يؤشر على رغم ما تدعي عن حقوق للمواطنين الاسرائيليين، واهالي الناصرة منهم، الى ان الاحتفال مهما تكن طبيعته يهدد اسرائيل، وان استعمال كلمة "عاصمة" من المنظار الصهيوني ينطوي على سابقة، تمهد لاعلان القدس عاصمة لفلسطين، وحتى اعلانها عاصمة ثقافية من شأنه ان يرسخ هوية عربية لها مما يعرقل تحقيق التزام اسرائيل ان تكون دولة يهودية… ولليهود. وبالتالي قد يعرقل استعمال صفة "عاصمة" الخطة العنصرية التي تعمل على ابقاء التمييز العنصري الذي تمارسه اسرائيل بينما تسوّق لنفسها انها "الدولة الديموقراطية في الشرق الاوسط" وتواصل محاولاتها لاخراس اي نقد لممارساتها الفاقعة في عنصريتها، وبالتالي ادراج النقد في خانة العداء للسامية. لذلك تعتبر اي نشاط مرتبط باعلان "القدس عاصمة الثقافة العربية" بمثابة "تحريض على فتنة" وقمعه مشروع وقانوني. هكذا تتعامل اسرائيل مع المقدسيين على اساس ان اي تركيز على الثقافة العربية في القدس قد يعزز احتمال ان القدس المحتلة على الاقل قد تصبح بدورها عاصمة لدولة فلسطين… هذا يفسر خلفيات ما قامت به اجهزة الامن والمخابرات من اجراءات قمعية واستباقية للحيلولة دون اي شكل من "الاحتفال" حتى في ما يتعلق بعيد الام خشية ان يعرقل مشاريع التهويد المتواصلة في القدس الشرقية، وبالتالي تريد الغاء اي فرصة لعاصمة فلسطين في القدس. هذا ما يحصل في ظل الحكومة الاسرائيلية المنصرفة، ويبدو هذا الاجراء "متواضعاً" امام الآتي من حكومة "ليكود – اسرائيل بيتنا" والاخطار القائمة والمقبلة لضرب احتمال ان تقوم القدس عاصمة لفلسطين. فالثنائي نتنياهو – ليبرمان (وحتى وإن دخل حزبا كاديما والعمل الحكومة) يعرفان ان تأكيد التزام القدس عاصمة ابدية لاسرائيل ينطوي بدوره على واقع ان لا فلسطين بدون القدس، وهنا مكمن الخطر.
ان الخلاف بين الفئات الاسرائيلية يكمن في توقيت الهدف الصهيوني واخراجه ومن هذا المنظور مهما تكن التركيبة للحكومة الاسرائيلية المقبلة ما يتم التخطيط له هو الحيلولة بكل الوسائل دون ترسيخ الهوية العربية للشعب الفلسطيني، وبمعنى آخر السعي بالتدرج الى الغاء الهوية العربية للشعب الفلسطيني والى حمل الشعب الفلسطيني على التخلي عن اي مطالبة بحقوقه الشرعية. وما قامت به اسرائيل في اليومين الاخيرين يحمل في طياته الالغاء الكامل لأي انتماء عربي، واجراءات امس القمعية هي المرحلة الاخيرة لالغاء فلسطين من "خريطة" الطريق وازالة اي ارتباط بين فلسطين والثقافة واي ارتباط بين فلسطين والقدس وبين فلسطين والعاصمة.
***
امام ما حصل من اجراءات جرمية في القدس بالامس، او ماذا يفعل، ماذا يجب ان يفعل العرب لمواجهة مشروع سحق الهوية العربية للمواطنين الفلسطينيين في الاراضي المحتلة بما فيها القدس؟ ان جامعة الدول العربية بدأت تعد القرارات للقمة عشية انعقادها، والقرارات التي ستتخذ يجب ان تتسم بالوضوح والشفافية، كما يتوجب ان تكون الاجراءات المقرر صدورها صارمة وحاسمة. فأي مراوغة او تساهل او حتى تباطؤ شأنه ان يمكن المشروع الصهيوني من استكمال اهدافه، لذا المطلوب فورا دعوة لجنة القدس التي يترأسها ملك المغرب الى بلورة قرار غير ملتبس مطلقا تتخذه قمة الدوحة وتتحرك مطالبة مجلس الامن، بحسم مصير القدس وتاكيد انها ايضا عاصمة فلسطين، وان تكون ثمة اجراءات عقابية من شأنها ردع تمادي اسرائيل في استباحة حقوق الشعب الفلسطيني واجراءاتها في اتجاه سحق الهوية العربية، ولتشمل العقوبات قطع العلاقات مع اسرائيل ووقف الاتصالات بين السلطة الوطنية واسرائيل. وعلى قمة الدوحة تفصيل الاجراءات العقابية واستعادة قرارها بتسمية القدس عاصمة للثقافة العربية، وان تجعل من كل عواصم العرب قدساً، وان تكون جدية قرارات قمة الدوحة والاجراءات العقابية مؤشراً الى بدء العدّ العكسي للصلف الاسرائيلي الذي بلغ حدود الوقاحة، والتركيز على ادا نة مقرر لجنة حقوق الانسان البروفسور ريتشارد فالك الواضحة لجرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل في غزة وبالتالي توأمة مآسي غزة مع القمع الاسرائيلي لاحتفالات القدس الثقافية كي ينجز التحريض، لاعمار غزة وتحويل القدس عاصمة فلسطين لتكونا رئتي التنفس وتمكين فلسطين من الخروج من عبثية الانقسام الى حيوية عودة التلاحم الوطني والقومي.
"النهار"




















