اختار الرئيس السوداني عمر البشير اريتريا وجهة لمغادرته الاراضي السودانية، في زيارة هي الاولى له بعد مذكرة التوقيف التي اصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحقه في الرابع من اذار (مارس) ودعت المجتمع الدولي الى المساعدة على اعتقاله ما ان يغادر الاجواء السودانية.
لكن اختيار البشير دولة افريقية مجاورة تعتبر من اكثر دول القارة السوداء عزلة، لزيارتها والتي لم يمهد لها اعلاميا او سياسيا ،هو عبارة عن تصرف رمزي، كونه اختار دولة مجاورة ليس لها تعاملات حقيقية مع المجتمع الدولي، ودولة غير عضو في المحكمة الجنائية التي يلزم ميثاقها الدول الاعضاء فيها تسليم المتهمين الى السلطات الدولية في حال دخولهم اراضيها. والحال هذه تنطبق ايضا على قطر الدولة غير العضو في المحكمة والتي اعلن البشير اصراره على المشاركة في القمة التي تستضيفها نهاية الشهر الحالي.
وتأتي زيارة البشير لأسمره والتي استغرقت ساعات معدودة، بعد يومين من تجديد المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو، دعوته المجتمع الدولي الى المساعدة في اعتقال البشير لدى مغادرته الأجواء السودانية.
وظهر الرئيس السودانى والوفد المرافق له بمطار العاصمة الاريترية اسمره، حيث كان في استقباله الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، وسط مظاهر احتفالية، حيث اصطفت فتيات ونساء على الجانبين، ونثرت الورود على البشير عندما رافقه افورقي إلى قاعة استقبال كبار الزوار بالمطار.
واعتبر البشير، في مؤتمر صحافي مشترك مع افورقي، ان زيارته إلى اريتريا دليل على أن قرار المحكمة الجنائية الدولية اعتقاله "لن يؤثر على حركتنا الخارجية والداخلية، وانها قرارات حبر على ورق".
ونقلت وكالة الأنباء السودانية عن البشير ان الزيارة تاتي تلبية لدعوة الرئيس افورقي "لاظهار مواقف اريتريا الداعمة للسودان، والتأكيد انها تقف معنا في خندق واحد".
وجدّد الرئيس الاريتري رفض حكومته قرارات المحكمة الجنائية، باعتبارها سياسية هدفها زعزعة الامن والاستقرار في السودان وتعقيد مشكلة دارفور. وقال: "مشكلاتنا في القارة الافريقية تفرض علينا من الخارج", مؤكدا قدرة القادة الافارقة على تجاوز هذه التحديات.
وعاد الرئيس السوداني إلى الخرطوم عقب الزيارة.
واكد المستشار الرئاسي نافع علي نافع ان "الرئيس البشير سيواصل زياراته لدول افريقيا".
من جانبه، قال وزير الخارجية السوداني دينق الور في مؤتمر صحافي في مطار الخرطوم ان "اي دعوة تصل الى الرئيس ستجري دراستها عن كثب لاننا لسنا في وضع عادي حاليا. وهي يجب ان تبحث من وجهة نظر امنية".
وفي وقت سابق، قال وزير الاعلام الاريتري علي عبده الناطق باسم الحكومة "انه يقوم بزيارة ليوم واحد وهي زيارة عادية جدا بين رئيسين. وهو يلبي دعوة الرئيس اسياس افورقي".
اضاف " لا يمكن اعتراض طائرة الرئيس السوداني.. تتمتع الدولتان ومجالهما الجوي بالسيادة، وليس لأي جهة الحق في الدخول إلى مجالهما الجوي."
ووجّه افورقي دعوة الى البشير في 11 اذار (مارس) للاعراب عن تضامنه مع الرئيس السوداني، وذلك بعد سبعة ايام من اصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال في حق البشير، بعد اتهامه بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب في اقليم دارفور غرب السودان. وقالت الحكومة الاريترية في دعوتها ان "المسرحية التي تقوم باعدادها ما يسمى المحكمة الجنائية الدولية تظهر بوضوح موقفا معاديا للناس ومؤامرة تقوم بها قوى خارجية". وصرّح الوزير الاريتري ان "اريتريا تعتبر ان قرار المحكمة الجنائية الدولية غير مسؤول ويشكل اهانة لذكاء البلدان الافريقية".
واوضح ان الرئيسين "يلتقيان اليوم وسيبحثان مسائل ثنائية واقليمية"، الا انه لم يكشف عن مزيد من التفاصيل. وقال وكيل وزارة الخارجية السودانية مطرف صديق، ان البشير قبل دعوة من الحكومة الاريترية وسيعود الى السودان في وقت لاحق. اضاف "اذا كنا شعرنا بأي خطر، ما كنا سمحنا له بالسفر. لكننا شعرنا انه في امان".
عندما يتكرر هذا الظرف (السفر للخارج) سنقيّم الوضع على أساس حالة بحالة".
ومثل السودان، تتسم العلاقات بين اريتريا والدول الغربية خاصة الولايات المتحدة بالفتور. ولم يعلن عن زيارة البشير الى اريتريا في وسائل الاعلام السودانية، حتى ان المقربين منه في الحكومة لم يكونوا على اطلاع على خططه للسفر.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية السودانية عن زيارة الرئيس الى اسمره "لا اعرف شيئا عن هذه الزيارة". والاحد، اصدرت هيئة علماء السودان فتوى تؤكد "عدم جواز" توجه الرئيس السوداني الى الدوحة لحضور القمة العربية في 29 و30 الشهر الجاري خوفا من "كيد الاعداء" و"لتفويت الفرصة عليهم".
ولا توجد شرطة تابعة للمحكمة الجنائية الدولية وبالتالي فانها تدعو الدول الموقّعة على اتفاقية تاسيس المحكمة الى تطبيق المذكرات الصادرة عنها. ولم تصادق اريتريا على ميثاق روما الذي انشئت المحكمة على اساسه، على الرغم من انها مدعوة، بصفتها احدى الدول الاعضاء في الامم المتحدة، الى التعاون مع المحكمة من القرن الماضي.
وكانت العلاقات بين أسمره والخرطوم تعززت في السنوات الاخيرة، بعد قطيعة بينهما في التسعينات من القرن الماضي، لمساندة السودان متشددين اسلاميين غرب اريتريا، وهي منطقة يقول مستكشفون انها غنية بالذهب وغيره من المعادن.
وتبادلت الجارتان الاتهامات منذ سنوات، واتهمت كل منهما الاخرى بدعم جماعات متمردة، لكن العلاقات شهدت تقاربا بعد ان توسطت اريتريا في اتفاق سلام بين الخرطوم ومتمردين في شرق السودان عام 2006 .
ويقول محللون ان اريتريا ترغب ايضا في تأمين حدودها مع السودان طريقا حيويا امام البضائع التجارية اذا ما تجددت خلافاتها الاقليمية مع اثيوبيا.
(ا ف ب، ا ب، رويترز)




















