حظر إسرائيل إقامة احتفالية القدس، كعاصمة للثقافة العربية لهذا العام؛ يكشف مدى رعبها من أي توكيد على الهوية الأصلية، الفلسطينية العربية، للمدينة. بنفس القدر، هو يكشف عن مدى فشلها في خطف هذه الهوية؛ بالرغم من كل محاولات التهويد التي قامت بها؛ والتي ما زالت جارية حتى اللحظة. حسبت أن منع تنظيم أي نشاط فلسطيني، من هذا النوع، في القدس المحتلة؛ يمكنه طمس الانتماء.
زعمت الشرطة الإسرائيلية، في تحذيرها من التعامل بحزم ضدّ أي محاولة من هذا النوع؛ بأن القانون الإسرائيلي يحظر على السلطة ممارسة أي نشاط رسمي؛ في ما تسميه «عاصمة إسرائيل». سها عنها بأن الثقافة أقوى من القمع؛ وأن القوانين لا تقوى على شطب الهويات؛ فكيف إذا كانت قوانين احتلال؟
نقل العاصمة الثقافية العربية إلى القدس، خلال 2009، يحمل رمزية كبيرة. هو تأكيد على عروبتها، كما على اعتبار الشق الشرقي منها عاصمة نهائية للدولة الفلسطينية الموعودة؛ وبالتالي ضرورة زوال الاحتلال عنها لأنها غير قابلة للتنازل، في أية تسوية سلمية. وبذلك كان الموضوع بمثابة حدث متميز، استحق أن تكون له خصوصية احتفالية متميزة.
سارعت إسرائيل إلى التخريب على المناسبة. دهمت مركز الهيئة الولجة بالتحضير للحدث. جرّدت أعضاءها من هوياتهم. صادرت المستندات والبرامج المتعلقة بالفعاليات والنشاطات وعبثت بالمكان. البديل كان في إقامتها في بيت لحم، أقرب الأمكنة إلى القدس؛ بمشاركة عربية، رسمية وثقافية.
أخذ انتقال العاصمة الثقافية، إلى القدس؛ نصيبه الاحتفالي، بالرغم من الترهيب الإسرائيلي. لكن كان بالإمكان أن تكون المناسبة أفضل. كما كان حريّ بها أن تكون فرصة لتضييق الفجوة الفلسطينية، لا للتمسك بها والتمترس عند تخومها. من المآخذ التي ذكرت، أن الاستعدادات المسبقة لهذا الحدث، لم تكن عند المستوى المطلوب. حكمها الاستعجال وشحّ الموازنة؛ مما استدعى صرف النظر عن فعاليات كانت مرسومة؛ وبالتالي عن مشاركة مؤسسات ثقافية، كان من المفترض والمرغوب أن تساهم في الحفل.
لكن كل ذلك كان من نوع النواقص المفهومة والمقبولة. ما لم يكن مفهوماً هو أن يدخل الخلاف السياسي، ليذرّ بقرنه في العملية. حسب ما تردّد، تخلّى البعض عن المشاركة، بسبب هذا الخلاف. الأدهى، أنه بدلاً من أن يكون هناك احتفال فلسطيني واحد بهذه المناسبة، كان اثنان؛ واحد في وقت سابق؛ في غزة. وآخر أقامته السلطة أمس الأول. التخريب الإسرائيلي، هنا؛ متوقع. لكن أن لا تقوى حتى مناسبة من هذا النوع؛ على توحيد الاحتفال الفلسطيني بها؛ ففي ذلك ما يدعو للأسف الكبير.




















