أعادت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية طيف ماركس الذي غاب لسنوات زادت على عقدين من الزمان، لاسيما في ظل انهيار مؤسسات مالية وتأمينية ومصرفية عملاقة، الى درجة اعتبرها البعض تحققا لنبوءة ماركس الذي كان يُنظر اليه في السنوات الماضية باعتباره جزءًا من المتحفية التراثية للقرن التاسع عشر، خصوصاً بعدما انصرف عنه الكثير من مريديه بل وغلاته المتطرفون وولوا وجوههم صوب "الليبرالية الجديدة"، الأمر الذي بحاجة الى وقفة مراجعة وجردة حساب بخصوص الماركسية واتجاهاتها، من زاويتها الفلسفية الفكرية، ومن زاويتها التطبيقية العملية.
غالباً ما يتم الحديث عن الماركسية بلحاظ سلبية المعنى التاريخي للممارسة، سواء ممارسة ماركس نفسه وتجاوز الزمن للكثير من اطروحاته أو الممارسة الماركسية بعده. أما المنهج الماركسي وهو الأساس، فلعلّه الجزء المنسي من الماركسية. ونسيان أو تجاوز هذا الجزء من الماركسية يجعلها عند البعض شرٌ مطلق وعند البعض الآخر خيرٌ تام، فالأول يقيس على بعض التطبيقات والممارسات الخاطئة المحكومة بزمنها وبظرفها، أما الثاني فهو ينطلق من الكمال والعصمة والثبات. فبدلاً من استخدام المنهج الجدلي على نفسه أولاً، تراه ينغلق ويضيق بل يتشرنق على ذاته، بحكم ادعاء امتلاك الحقيقة وبطلان ما سواها.
لعل الاتجاه الاول ينطلق من رؤية مغالية في التبديد، في حين أن الاتجاه الثاني يأخذ بالتأييد، وبين المدّنس والمقدّس يضيع المنهج الجدلي، كما ارتآه وكشف عنه ماركس بعد جهد ومعاناة، باعتباره بداية وليس نهاية، منهجاً ديالكتيكياً وليس أحكاماً جاهزة.
ان اعتبار الماركسية علماً كاملاً ونظرية تامة مخالف لجوهر منهج ماركس الجدلي، فهو أول من قال بعدم القطع بتمامية وكمال كل شيء، الأمر الذي جعل اعتبار كل شيء نسبيا، وهو ما ذهب اليه عالم الفيزياء باسكال الذي تحدث عن النقص في العلم والفكر والفلسفة. وكان ماركس نفسه يردد: "لا علم كاملاً الاّ في مملكة النحل"، وإنّ كل علم ناقص، وفي نقصه سرّ تقدمه التاريخي، ولعل ذلك يذكرنا بالفيلسوف العربي الكبير الصوفي الاتجاه العلاّمة النفّري الذي قصد من قول "كل علم مستقر" انه "جهل مستمر" وذلك لأن كل شيء متغيّر وغير كامل ولا تحتسب الاشياء الاّ بنسبيتها.
ولا يمكن اعتماد قانون: وحدة وصراع الاضداد دون الحديث عن قانون نفي النفي، فالجدلية الماركسية دون القانون الثاني تتحول الى ثنوية ومثنويات: خيرٌ وشرٌ، جمالٌ وقبحٌ، نهارٌ وليلٌ، حياةٌ وموتٌ وهكذا. وإن الجدل منهجياً يعني الحفاظ على الجدلية، لا تصنيمها أو تحنيطها، وبقدر كون الماركسية احتراماً وتقديراً لجهد ماركس الكبير والخلاّق، فينبغي اعتبارها أولاً وقبل كل شيء مثالاً لحرية النقد لا دوغمائيته، فالجدل المنهجي الماركسي، بحاجة الى نقدية من داخله، إضافة الى من خارجه.
وبهذا المعنى تكون ماركسية ماركس هي بداية الماركسية لا منتهاها، الأمر الذي نحتاج فيه الى نقد الماركسية السائدة بمنهج ماركس، ونقد ماركس وتطبيق منهجه الجدلي عليه وعلى أحكامه، لاكتشاف قوانيننا، لا تطبيق قوانينه، لأن الكثير من قوانينه وتعاليمه واستنتاجاته واطروحاته لا تصلح لعصرنا، لاسيما وبيننا وبينه نحو 150 عاماً.
هناك نوعان من الماركسية، الاولى تنتسب الى ماركس "الاصلي" وانجازاته الكبرى، ولعلها في الكثير منها ماركسية نصيّة، لاسيما إذا أخضعت للقراءة المنهجية في إطار حقبتها التاريخية، ماركس الشاب الهيغلي، وماركس ومخطوطات 1844، وماركس ما قبل رأس المال، وماركس والثلاثية الأثيرة 1848-1852، وماركس ورأس المال، ولا ينبغي أن يؤخذ ماركس كلّه مأخذ الجد، وبهذا المعنى لا ينبغي أخذ "الماركسية الممكنة" عند ماركس كلّها باعتبارها اكتمالاً أو تماماً، فلم يكن ماركس كلياً في عمله النقدي، بل كان نقدياً في عمله الكلي، وهو ما ينبغي أن نفهمه أولاً في نقد هيغل أو تعديله نقدياً.
أما الماركسية الثانية فهي ما بعد ماركس ويمكنني أن أقسمها قسمين:
القسم الأول – ماركسية النموذج الاشتراكي الاستبدادي في الانظمة التي حكمت الاتحاد السوفيتي منذ العام 1917 حتى انهياره العام 1991 والبلدان الاشتراكية الاخرى، والتي اعتمدت الموديل ذاته، وان اختلفت في التفاصيل في شرق اوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو اميركا اللاتينية. والقسم الثاني الماركسية المستقبلية "ماركسية ما بعد الحداثة" وكانت ارهاصاتها الاولى مدرسة فرانكفورت وإعادة قراءة تأثيرات هيغل على ماركس.
ان الماركسية وضعية نقدية جدلية، وهي مضادة للمفهوم الميتافيزيقي عن المعرفة والعالم، وهي تكوين يناقض الواقع، وعندما تصبح الماركسية بلا نقيض ستكون مجرد أحلام، وبإعمالها يتأكد ويتأتى النقيض. لقد جرت محاولات لاختزال ماركس والماركسية الى تبسيطية، بحيث أصبح فهم التاريخ كلّه ماركسياً بحذف نقيضه الضروري وجدله الخلاّق، وذلك دون مراعاة احتمال تقديم الضد لضدية أخرى جديدة، ولعل ماركسية ماركس نفسه كانت وحياً من النقيض، فكيف يتم إلغاء النقيض في الخطاب الماركسي الذي ساد بضعة عقود ولا يزال بعضه يصارع على البقاء رغم نكوصه وتقهقره!؟
لا اعتقد بوجود ماركسية نقية أو كاملة على غرار هيغيلية مطلقة أو كليّانية نسقية، ولعلي أميل الى اعتبار كل عمل ماركسي صرف هو عمل هيغلي بشكل عام، وقد سعى ماركس الى احتواء نقدي للمتناقضات، وكان هو أكثر من يكره إضافة المزدوجتين اللاحقتين اللغويتين "Marxist" و"Marxisizm"، وكان يرفض اعتبار بعض استنتاجاته وقوانين الكشف التي قام بها مثل منهجه الجدلي في دراسة تاريخ تطور البشرية واستغلال الانسان للانسان عبر فائض القيمة، نظرية كاملة أو نهاية لمعرفة نظرية خالصة، وكان يردد عندما كان أحدهم يخاطبه "أنتم الماركسيون" بالقول: كل ما أعرفه أنني لست ماركسياً!!
وبهذا المعنى لا بدّ من وضع مسافة بين نقد البديل الإيديولوجي ماركسياً، وبين البديل الماركسي للإيديولوجية، أي عدم الاكتفاء بماركس وماركسيته، باعتبارها كل ما لدينا
من الماركسية، وذلك باعتماد منهجه النقدي الوضعي المفتوح.
ان اقتصار قراءة الماركسية على ماركس ذاته دون المدارس الاخرى سيكون مأخذاً على الماركسيين، فالمتمركسون بألوانهم وحدهم هم الذين قفلوا خزانتهم على الكتب المدرسية الماركسية التاريخية، ووضعوا مسافة بينهم وبين تجديد الفكرة الماركسية ذاتها، ولعل رد الاعتبار للجدل والمنهج الماركسي النقدي الوضعي قبل تحويله الى لاهوت وأحكام وقوانين ثابتة ومنزّلة، سيكون مساهمة في إحياء الماركسية بعد أن تصحّرت روحها وتم سلب جوهرها من خلال تطبيقات مشوّهة.
الماركسية هي جزء من التاريخ وليس التاريخ كله، ولعل فهم التاريخ ماركسياً لن يكون فهماً تاريخياً نقياً الاّ إذا أرادت الماركسية السائدة التعالي عليه، فلا يمكن ان يكون هناك وعي بالتاريخ دون تاريخ للوعي، والوعي في الغالب موقف من التاريخ، فبأي وعي ماركسي أصبح التاريخ كله خاضعاً لفهمه الماركسي؟
كان ماركس في إطار عمره البيولوجي ومعارف عصره مهرجاناً لقوة الفكر والسطوع واحتدام العاطفة والجرأة والقراءة النقدية بانتاج فكر جديد نقيض، ولذلك لا ينبغي اختزال ما قام به بمقولات "فوق بشرية"، والماركسية التي سادت في الانظمة الاشتراكية، أو حتى التي وصلتنا مسكوبة بإناء بدوي وبمذاق ريفي، هي غير الماركسية الحداثية، المدنية، المنفتحة، وكانت عبارة عن جمل وشعارات عفّى عليها الزمن من كثر التكرار، لهذا السبب أصيبت بالشيخوخة وأحياناً بالعقم، ولم تكن سوى ما تحت أو ما دون الماركسية الحيّة، وغالباً ما كانت تقدّم، من خلال لغة شحيحة وباردة أحياناً وإذا أريد تسخينها فمن خلال حرارتها الثلجية، وكانت في الكثير من الأحيان متكلّفة، مليئة بالاستشهادات المقحمة.
الماركسية المستقبلية الحداثية، الحيّة، القادرة على العيش والقراءة والاستنباط، ستكون متحررة من زمانها، وهي تجسيد للواقع وانعكاس له، أي: ماركسية لا تتثاءب في الصباح، لتغطّ في كسل عميق في المساء، لأنها ماركسية غير فائضة أو مرتشية أو خشبية أو ماركسية الديجيتل. ولعل ثمة كوابح وتعقيدات لا تعدّ ولا تحصى تقف أمام هذه النظرة الانتقادية فهي لا تريد الاستيقاظ ولا نفض غبار الزمن، بعد استرخاء في نوم عميق يقترب من السبات.
تلك هي الحقيقة التي نبحث عنها أحياناً الى درجة الجنون على حد تعبير أندريه مارلو.
(كاتب عراقي)
"النهار"




















