عودة يد الاغتيال والإرهاب إلى لبنان، تدق أكثر من جرس إنذار. باستهدافها، هذه المرة، قياديا فلسطينيا،مع ثلاثة من مرافقيه، فوق ساحته؛ تكون قد لامست أكثر من عصب، في لحظة حرجة وفي مكان بالغ الحساسية . العملية تحمل، بتوقيتها ومستواها وتنفيذها؛ عدة رسائل أمنية وسياسية. معها رجع شبح التصفيات، بالتفخيخ وزرع العبوات؛ إلى واجهة الهموم والتحديات.
كما أعادت التذكير بمدى انكشاف الساحتين، اللبنانية والفلسطينية؛ وبالقدرة على العبث بهما، لإرباكهما وتخريب فرص وإمكانيات وصولهما إلى شاطئ الوحدة الوطنية والاستقرار الأمني.
وربما لم يكن صدفة، أن تقع جريمة الاغتيال هذه، بالتزامن مع انعقاد اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب في بيروت؛ مع ما ينطوي عليه ذلك من التحدّي للأمن العربي. وبكل حال، وقوعها عند هذا المفصل الدقيق، من الحوار الفلسطيني؛ ومن محاولات اللملمة اللبنانية الهشّة؛ يؤشر إلى مدلولات شديدة الخطورة.
اغتيال القيادي في «فتح» وثلاثة من كوادرها؛ ضربة مؤذية، موجهة للحركة. وقوعه خارج مدخل أحد المخيمات الفلسطينية، فتح الباب على كل السيناريوهات المحتملة. وكذلك مكان زرعها والقدرة على ذلك. وما يزيد البلبلة، أن نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، كان شخصية معتدلة؛ لعبت دور همزة الوصل للتقريب بين الفصائل، في أحلك أوقات الأزمة بينها. إصبع الاتهام توجّه نحو إسرائيل. وكان ذلك من الطبيعي.
العملية المركبة، تحمل بصماتها؛ قياساً على السوابق. ثم أنها الطرف الأكثر استفادة، الآن تحديداً، من تنفيذ مثل هذه التصفية؛ التي استهدفت فصيلاً بعينه، بغرض رمي الشبهة على خصمه. الأمر الذي قد يؤجّج التأزم بينهما. أو في أقلّه، يعرقل مجريات الحوار المزمع استئنافه اليوم بينهما.
ومع أنه السيناريو المنطقي، أكثر من أي احتمال آخر؛ غير أن هشاشة الساحتين، الفلسطينية واللبنانية، قد تترك المجال لازدهار سوق الظنون. وهنا يتضاعف الخطر. فالوضعان لا يحتملان، عند هذا المفصل.
التداول بمثل هذه البضاعة. انتعاش الشكوك، يصبّ الزيت على نار التباعد. يساهم في رفع منسوب التوتر، المتعدّد المصادر والأطراف. لاسيما وأن التقارب، في الساحتين، لم يقطع بعد كل مطبّات الهبوط .
إذا كان من درس آخر، تقدمه عملية الاغتيال الموجعة هذه؛ فهي أن الأمن لن يستتب وتحكم أبواب إقفاله بوجه الاختراقات الخطيرة، إلاّ بعد أن يصار إلى ترتيب الوضع السياسي. الأبواب السياسية المشرعة تفتح الطريق لدخول العواصف الأمنية. قاعدة أكدتها تجارب عدة، من العراق إلى لبنان، إلى فلسطين وانتهاء بالصومال وغيرها. ومرة أخرى تؤكدها هذه الجريمة بحق القيادي الفلسطيني ورفاقه في لبنان.




















