"حزب الله" يُجهز على الطائف.. يعطّل الدستور ويعلّق الدولة
نصير الأسعد
شيئاً فشيئاً، يُطلق "حزب الله" مزيداً من النظريات الناسفة لإتفاق الطائف. لكأنه يكشف بوضوح نيته في إحلال "تسوية الدوحة" مكان الدستور المنبثق من الطائف.
فهكذا وبعد نيّف وثلاث سنوات من تعطيل الدستور باسم "الديموقراطية التوافقية" تارةً و"الثلث الضامن" طوراً، كان لأحد مسؤولي الحزب قبل أيام نظرية جديدة في الطائف تستكمل المقاصد نفسها وعنوانها الرئيسي تعليق تطبيق الدستور وتعطيل تنفيذه، وشلّ الحكم تالياً.
النظرية الجديدة لدى "حزب الله"
قال المسؤول في "حزب الله" إن "الديموقراطية التي توافقنا عليها في إتفاق الطائف تأتي بعد إجماع الأكثرية والأقلية على خيار وطني واحد وثوابت وطنية واحدة". وأضاف "إذا ما حصل اختلاف في تفاصيل خدمة هذه الثوابت الواحدة، وهذا الخيار الواحد، يتم الإحتكام في هذه التفاصيل الى الأكثرية والأقلية". وفي "تحذير" عالٍ قال "أما أن نطيح بالخيار الوطني ونصوّب بالأكثرية على هذا الخيار أو ذاك، فهذا يعيدنا الى الحرب الأهلية". وختم تنظيره ملاحظاً أن "الديموقراطية في لبنان هي التي تنفذ تحت سقف الثوابت الوطنية والتوافق الوطني العام (..)"!
ديموقراطية الإجماع.. مرادفاتها وترجماتها
إن ترجمةً الى العربية "الدارجة" لنظرية المسؤول في "حزب الله"، تعني حرفياً ما يأتي:
تعني أن الديموقراطية هي الإجماع.
أما "الإضافة" التي تتحدث عن "إجماع على ثوابت وطنية" فلا تعني شيئاً. فما هي الثوابت غير الواردة في إتفاق الطائف التي يقتضي الإجماع عليها؟ ثم أخذاً في الإعتبار التجربة في "حكومة ما بعد الدوحة"، ما علاقة تعيين أعضاء في المجلس الدستوري مثلاً بالثوابت الوطنية.. وما علاقة الموازنة بما يسمّى الخيارات الوطنية؟.
الديموقراطية بحسب "حزب الله" هي الإجماع. فما وظيفة الإنتخابات إذاً في نظام حدده إتفاق الطائف على أنه نظام جمهوري ديموقراطي برلماني؟. ما وظيفة الإنتخابات إذا كانت النظرية التي سبق للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أن قدّمها والقائلة إن الأكثرية البرلمانية ليست هي نفسها الأكثرية الشعبية، فعلية؟
وبما أن الديموقراطية هي الإجماع بحسب "حزب الله"، فإن "الثلث المعطّل" هو وسيلة "الإكراه" لتحقيق الإجماع. أي أن الديموقراطية تغدو والحالة هذه مرادفاً لـ"إستبداد الأقلية" الى أن يتحقق "الإجماع" على شروط الأقلية.
وبما أن الديموقراطية هي الإجماع، والإجماع شرط للحكم تالياً، فإن نظرية "حزب الله" تعني وضع الحكم بين حدّين: حدّ الرضوخ للأقلية لتحقيق الإجماع من ناحية وحدّ الشلل التام إن رفضت الأكثرية الخضوع للأقلية من ناحية أخرى.
تعطيلان "أحلاهما مرّ"
إذاً، إن نظرية "حزب الله" حول إتفاق الطائف مترجمةً الى العربية "الدارجة" في السطور السالفة "تعِد" اللبنانيين بعد الإنتخابات بـ"صورة" شبيهة بالسنوات الثلاث الماضية، منذ أن استفاق "حزب الله" على تعريفات لإتفاق الطائف ونظريات "فيه"، على إعتبار أنه لم يثر ذلك كله في حكومة ما بعد إنتخابات 2005 مباشرةً. ونظريته إذ "تحسم" من طرف واحد أن الديموقراطية ليست حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية في إطار تداول السلطة، إنما تفيد أن التعطيل إن لم يلحق بالإنتخابات نفسها فسيلحق بالحكم بعدها.
الإجماعات الوطنية بالحوار.. والحكم بالدستور
طبعاً، ثمة حاجةٌ في هذا السياق الى عدد من التوضيحات.
من حق "حزب الله" كفريق سياسي أن يطالب بـ"توسيع" الإجماعات الوطنية، لكن لا يحق له أن يفرض بأي وسيلة من الوسائل تغيير قواعد الحكم. فتوسيع رقعة الإجماعات الوطنية شيء والحكم شيء آخر. لتوسيع رقعة الإجماعات آلية هي الحوار، وللحكم قواعد محددة في الدستور. وتعليق الدستور وتعطيل العمل به، يقودان الى شلل الحكم.
وشلل الحكم يعني تعليق الدولة أيضاً. فكيف "تُساس" الدولة وشؤون المجتمع في ظل شلل في الحكم؟ وكيف ينتظم الناس في ظل دولة "معلّقة"؟ وأي منزلق يدفع إليه اللبنانيون في مثل هذا الوضع؟
ما هي "الثوابت" الوطنية؟
وبين أن يتّفق الاجتماع السياسي، بأكثريّته وأقليّته على إستبقاء موضوع من الموضوعات رهن الحوار حتى إيجاد حلّ له أو تسوية بشأنه، وبين أن يطاح بدستور الحكم، ثمة فارق كبير وخطير. ثم ما هي الموضوعات التي يطلب "حزب الله" حواراً بشأنها غير تلك المُدرجة أصلاً على طاولة الحوار الوطني تحت بند "الاستراتيجية الدفاعية"؟ وفي انتظار أن يبتّ الحوار بأي أمر من الأمور هل يلتزم "حزب الله" بعدم فرض أي من خياراته على الآخرين؟ وهل يكون "سلاح حزب الله" ثابتة وطنية في هذه الحالة؟ ألا يعني إشتراط "الإجماع" تسليم البلد لفريق معيّن يستطيع أن يستخدم "الفيتو" حول أي شأن من الشؤون؟
من نافل القول، تأسيساً على المقدّمات الآنفة جميعاً، إن "حزب الله" يستكمل تباعاً خطاب نسف إتفاق الطائف، حتى لو بدا أحياناً قليلة متحدثاً من "على أرض" ذلك الاتفاق لضرورات واعتبارات "تكتيكية". وإذ يبدو "حزب الله" وقد "وطّن" نفسه في مرحلة إنتقالية "بين صيغتين"، في انتظار أن يكشف صيغته البديلة من الطائف، فإن استقرار لبنان السياسي "صعب" إن لم يكن "مستحيلاً".
لماذا لا يتبنى 8 آذار تنظير "حزب الله"؟
الآن، وفيما يتأكد أكثر فأكثر أن "حزب الله" يقف من إتفاق الطائف موقفاً متناقضاً مع 14 آذار المتمسّكة بتطبيقه وبإطلاق ديناميات قيام الدولة المدنيّة، ومع رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي بادر في وقت سابق الى التصحيح بأن الديموقراطية في لبنان "ميثاقية" وليست "توافقية"، مؤكداً إلتزامه بالدستور متقاطعاً مع 14 آذار على هدف إقامة الدولة المدنيّة، ومع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي شدّد على تطبيق الطائف لتبيّن إختلالاته وتبنّى عبر الوثائق الصادرة عن الكنيسة هدف الدولة المدنية أيضاً.. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: هل يتبنّى مجمل فريق 8 آذار نظرية "حزب الله" في الطائف وفي الديموقراطية؟ وهل يمكن اعتبار إقدام الرئيس نبيه بري على "سوابق" من خارج الطائف وإعلانه مواقف في هذا الاتجاه تبنيّاً لـ"صيغة" أخرى؟
وإذا كان الأمر كذلك، كما يتبيّن من مسار التجربة في السنوات الماضية، لماذا لا يتجرّأ فريق 8 آذار بـ"كامله" على إعلان التبنّي وعلى إقتراح البديل من دون مغمغة ودوران ولفّ وتنسيب نظريات الى الطائف؟ ولماذا لا يخوض هذا الفريق الانتخابات بعنوان صريح في مجال الطائف؟ ولماذا لا يتجرأ الفريق نفسه أصلاً على إعداد برنامج إنتخابي موحّد؟




















