الحياة – 25/03/09//
لولا أن صوت فيروز يغني في السيارة ويذكرني «بنحنا والقمر جيران» لظننت أنني في مكان غير بيروت، على رغم أن نسائم بيروت الباردة والدنيا «اللي عم بتشتي» إلا أنك تشعر أنك في أي مكان عربي لكن ليس بيروت. المقاهي غيرت واجهتها وتحلت بوجه سياحي لئيم مجاملة للمزاج الخليجي، الذي تركهم بعد سياحة صيفية استمرت حتى آخر قطرة من إجازة. المقاهي والملاهي غيرت لسانها اللبناني واستبدلته بأغانٍ من نوع بلا حب بلا وجع رأس، ونبيل شعيل فارس الأغنية الخليجية، وسمراء الخليج أحلام. بيروت المزدحمة، والشوارع المحتقنة بالسيارات، متوقفة بانتظار موكب يمر. بيروت صارت مثل أية عاصمة عربية متخمة بالفقر والبنية التحتية الضجرة بالدمار. نساء ورجال يمشون على شاطئ الروشة، ربما هم أيضاً لبنانيون مقيمون في الخليج جاؤوا من أجل إجازة مع العائلة.
ما الذي تغير في لبنان باستثناء أن فيروز ماعادت تغني إلا في الذاكرة بينما انطلق صوت فارس كرم «أنا نسونجي» من سيارة شاب في سيارة مجاورة.
اللبنانيون الذين اشتهروا بكرمهم ولباقتهم انقرضوا، جاء محلهم شباب متعب من الهجرة، أو ضاجاً من البطالة والغلاء، أصحاب التكاسي تخلوا عن شهامتهم واحتفظوا فقط بالأنين الذي يشبه أنين سائقي التكاسي في أية مدينة عربية.
الشرطي في المطار يقول من دون تهذيب حين صفر حاجز التفتيش:
«حملي غراضك وع التفتيش!».
الموظفة الأخرى فتحت حقيبة مسافر وتركت أمعاءها مندلقة على سير التفتيش واتجهت نحوي لتفتشني، يعترض المسافر قائلاً : خلصينا، فتتذمر الموظفة «شوهيدا مش معقول مابيصير شو خلصينا!».
ما الذي حصل للبنان. الطائفية اللعينة التي قطّعت قلب لبنان، وسيجت ضواحي بيروت بالكراهية، تخرج لسانها بكل لغة، البائعون الذين يصرون على مخاطبتك بالفرنسية لأنك فقط تتسوق في منطقتهم، والعباءة السعودية في ضاحية أخرى، أصبحت زياً إسلامياً لبنانياً لنسائهم. انفجارات بيروت ماعادت تحرك ذعر أحد، انقطاع الكهرباء صار مرضاً عضالاً في عامود لبنان الفقري، عليك أن تضبط أعصابك قبل أن تستخدم المصعد، وأن تعتاد سماع إنسان يصيح من جوف المصعد بهدوء منادياً الناطور ليحرره ويدير«الماطور».
وحدها فيروز التي كانت تجعل من كل أمراض لبنان محتملة، لكن فيروز اليوم لم تعد هي الاختيار الأول لهذا الجيل، لن توقظهم برجعت الشتوية، ولن تودعهم بآخر أيام الصيفية، و لن تذكرهم بـ«قديش كان فيه ناس على المفرق تنطر ناس»، فيروز التي رسمت في المخيلة لبناناً حلواً لن تصمد طويلاً أمام مطربي الخليج الذين لا يريدون حباً ولا وجع رأس، فبيروت قادرة على رغم رأسها الذي يوجعها أن تهدي الخليجيين ما أرادوا من راحة الرأس، وستنسى أنها كانت في يوم ما بلداً جديراً بأن تمنح قبلة على الرأس!
Bdryah@alhayat.com




















