المستقبل –
على رغم أنّ البَدء الدلاليّ للفظة مُستبد (Despot) تُحيل في الخطاب اليونانيّ إلى "ربّ الأسرة" أو "سيّد المَنزل"، أي إلى نمط مُحدد من علاقة السيّد بالمحيط المنزليّ أو بين إنسان حُرّ وآخر حرمتهُ الطبيعة من هذه الحريّة (والمقصود بالطبيعة في السياق اليونانيّ عامّة هو ما يُسمى "حالة الضرورة الاجتماعية" والتي تقتضي نمطا من العلاقات الهرمية تتوزع فيها الوظائفُ والأدوارُ تناسُبًا مع نظام الحاجاتِ والمَلكاتِ الذهنيّة للأفراد)؛ إلا أنهُ سَرعان ما جاوزت اللفظة نطاقها الأسري/الأخلاقيّ مُرتحلة إلى عالم السياسية ليُقصد بها فيما بعدُ "نمطا من أنماط الحُكم المَلكيّ المُطلق والذي تكونُ فيه سُلطة المَلك على رعاياه مُمثِلة لسُلطة الأب على أبنائه في الأسرة، أو السيّد على عبيده".
أمّا في اللغةِ العربية، فيعني الاستبدادُ "الانفراد" ومن ثم يُقال: استبدَ به، أي انفرد به. واستبدَ الأميرُ بالسُلطة: أي أخذها لنفسِهِ ولم يُشارك أحدًا فيها. ووفقا لهذا المعنى اللغويّ، يُقصَدُ بالاستبداد السياسي: "الانفرادُ بإدارةِ شؤون المُجتمع السياسيّ من قِبل حاكم أو حزبٍ دون بقيةِ المُواطنين، أو الاحتكارُ الفعّالُ لمصادر القوّةِ والسُلطةِ في المُجتمع".
والواقع أنهُ على مَدار التاريخ الإنسانيّ لم يعدم الاستبدادُ من تكونُ مَهَمَتهُ الرئيسية مُمثلة في تبريرهِ وتسويغِهِ والدّفاع عنه بُغية توفير غطاء شرعيّ له! لكن بموازاة ذلك ينحو التفسيرُ الموضوعيُّ نحْوَ كشفِ حقيقةِ الاستبداد وطبيعته باعتباره ظاهرة من الظواهر الاجتماعيةِ التي تخْضَعُ، كغيرها، لاعتباراتٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ مُحددة.
لذا تعددت التفسيراتُ تبعا لتردّدها ما بين الحدود القصْوى لكل من الفرد والمُجتمع. ويأتي على رأس هذه التفسيرات ثلاثة أقوال: أولها "التفسيرُ النفسيّ" والذي يُعبَرُ عنه بمصطلح "السادومازوخية (Sadomasochism)"؛ بمعنى أنّ ثمة علاقة وثيقة بين كل من السادية (Sadism) والمازوخية (Masochism)، ففيما يتلذذ النوع الأول بإيقاع الألم بالآخرين يستمتع هؤلاء بإلحاق شتى ضروب العذاب بهم!
ومن المعلوم أنّ هذين المُصطلحين قد انتقلا من بيئة الأبحاث الجنسيّة، حيث كان أول ظهور لهما، إلى حقل التحليل النفسيّ ثم إلى علم الاجتماع وأخيرا إلى الفلسفة السياسية على يد إريك فروم (1900 ـ 1980) الذي يُعد من أكثر الباحثين استخداما لهما في تحليل ظاهرة الاستبداد، حيث يُشكل كتابه "الفِرارُ من الحريّة" تطبيقا لهما في هذا السياق.
ثاني هذه الأقوال ما يُسمى بـ"التفسير النفس ـ اجتماعي"، حيث اتجه الفيلسوف الفرنسيّ اتين دي لابواسيه صوب المُستَبَد بهم هذه المرة محاولا فك شفرة خضوعهم الدائم وانصياعهم المُستفز للحاكم المُستبد مُتسائلاً: كيف أمْكنَ هذا العدد من الناس، من البلدان، من المُدن، من الأمم، أن يتحملوا طاغية واحدا؟! ليصلَ إلى قناعة تامة بأنّ الشعب هو الذي يقهرُ نفسَهُ بنفسِهِ ويشُقُ حَلقهُ بيده، هو الذي مَلكَ الخَيَار بين الرّق والعِتق فتركَ الخلاص وأخذ الغلّ!
إنّها إذاً إرادةُ "العبوديّة المُختارة"؛ تلك التي تُرسِخُهَا السُلطة في نفوس المُستَبد بهم تاركة منهم أشلاء وضحايا. ذلك أنّ ما يُثيرُ الدّهشة هنا ليس الفعل/الاستبداد، وإنما ردّ الفعل/الخضوع والرضوخ والانصياع لأوامر "فرد أعزل من الناس"! خاصة وأنّ مصدر قوة المُستبِد لا يَستمدها من ذاته، وإنما من أولئك الذين استرقهم واستبد بهم! ومن ثم، فإنّ قدرته على إيقاع الأذى وإلحاق الشر بهم مُستمدة أساسا من مدى تحملهم لهذا الأذى وصبرهم بدلا عن مجابهته.
أخيرا تتركزُ النظريّة الثالثة حول "التفسير الاجتماعي"، حيث بحث موريس دوفرجيه عن تفسير للظاهرة ضمن ما سمّاه "البناءُ الاجتماعي"، أي في بنيةِ المجتمع ذاته والتي تختلفُ الأنظمة الديكتاتوريّة وَفقا لها. ومن ثم، فإنّ العامِلُ الأساسيُّ لظهور مثل هذه الأنظمةِ المُستبدة إنّما يتمثلُ في تطوُّر مُختلفِ أشكال ونماذج البُنيان أو التركيب الاقتصاديّ ـ الاجتماعيّ للعالمْ.
وبحسبهِ، تنْشأ الدكتاتوريّة نتيجة عوامِلَ تتفاعلُ فيما بينها وتضْربُ بجذورهَا في نسيج البناءِ الاجتماعيّ. هذا بالإضافةِ إلى ضرورةِ توافر شرط آخر وهو "أنْ تكونَ مشروعيّة الحكم في خطر"، أي أنْ تُصْبحَ الأصولُ الأساسيّة والمبادئ الأوليّة التي تسْتمِدُ السُلطة منها سُلطاتها محلَ نقد واتهام باللاشرعيّة ومُطالبةٍ بإلغائِها أو استبدالها.
نصلُ في ختام حديثنا إلى العودةِ مرة ثانية إلى نفس التساؤل، ولكن في ضوء الاقترابات السابقة: فهل فقدنا المناعة ضد الاستبداد لأننا نستعذبُ آلام الآخرين؟ أم لأننا نُفضِلُ "العبودية المُختارة" على "الموت بكرامة"؟ أم لأنّ بنية مُجتماعتنا العربية، تُساهِمُ في ظهور الاستبداد واستفحاله؟ أم لكل هذه الأسباب مجتمعة؟!.. مُجرد تساؤل!
() كاتب وباحث مصري




















