وسام سعادة
ليسَ في التاريخ اللبنانيّ المعاصر ما يشبه ظاهرتي 8 و14 آذار الاصطفافيتين من حيث كونهما ائتلافين مزمنين يجمع كلّ منهما أكثر من طائفة ويمتدّ كلّ منهما بنسب تزيد أو تنقص لشمول سائر النسيج الطائفي للبلاد.
وسنة بعد سنة، تضاءلت بل اندثرت، على صعيد الشخصيات السياسية أو تلك الناشطة في ميدان "الشأن العام"، حركة الجيئة والذهاب من أحد الاصطفافين إلى الآخر، خصوصاً بعد أن ارتسمت الحدود السياسية لاصطفاف 8 آذار في 6 شباط 2006، يوم التوقيع على "تفاهم مار مخايل" بين "التيار الوطنيّ الحرّ" و"حزب الله".
صحيحٌ أن انتخاب العماد ميشال سليمان، وظروف ما بعد 7 أيّار و"صلح الدوحة" شهدت بروز استقطاب جديد عنوانه تشكيل "مركز" أو "وسط" في الحياة السياسية اللبنانية يكون عنوانه رئيس الجمهورية، وصحيحٌ أنّ هذا الاستقطاب الجديد ترتّب عليه ابتعاد قطب أساسيّ في تاريخ "الجمهورية الثانية" هو الرئيس ميشال المرّ، عن قوى 8 آذار، إلا أنّ ثنائية 8 و14 آذار حافظت – وإلى حدّ كبير – على محوريتها، ويمكن القول إنّها ستحافظ على هذه المحورية لسنوات مديدة.
فأيّاً كانت علامات التصدّع التي قد تظهر بين الفينة والفينة في أحد الاستقطابين، وأيّاً كانت الدعاية التي يبذلها كلّ منهما بقصد تسجيل حال التضعضع في الفريق الآخر والتخفيف من حدّة المشكلات في البيت الداخلي، إلا أنّ الاستقطاب الثنائي بين 8 و14 آذار ظلّ يؤمّن موارد إضافية ليطغى بها على أيّ احتمال استقطابيّ آخر.
ويبدو أنّ استمرار وجود أحد المعسكرين هو العلّة الكافية لاستمرار وجود المعسكر الآخر، وهو ما يختلف بشكل كليّ عن المعسكرين الذي بدأت بهما الحرب اللبنانية، أي "الجبهة اللبنانية" و"الحركة الوطنية"، فهذان التحالفان انفجرا بأسرع مما كان متوقّعاً، وتعقيدات الحرب الداخلية والإقليمية تجاوزتهما على غير صعيد. أمّا الصراع بين 8 و14 آذار فيبدو أكثر "ثباتاً"، رغم مسارعة البعض إلى استعجال "تجاوزه" بقصد مواكبة الجديد المحتمل في السياسات العربيّة والدوليّة.
وعلى الرّغم من أنّ سياسات التقارب والتنافر على الصعيد الإقليميّ تنعكس بشكل شبه مباشر على العلاقات بين الأطراف اللبنانية، إلا أنّ انقسام المشهد الداخليّ بحدّ ذاته بين 8 و14 آذار لا يخضع تماماً لهذه السياسات، إللهم إن كانت الأمور ستصل في الشرق الأوسط ذات يوم، إلى حيث مرحلة "السلام الشامل" أو إلى مرحلة "الحرب الشاملة". السلام الشامل وحده يضمن البتّ النهائي في المسألتين المركزيتين التي يقوم عليهما الصراع بين 8 و14 آذار، أي إنهاء أشكال التدخّل السوريّ في مرحلة "ما بعد الوصاية" وحلّ ملف التنظيمات المسلّحة في مرحلة "ما بعد التحرير". بهذا المعنى، فإن السلام الشامل، وبوابته سورية حكماً، هو الكفيل وحده بإلغاء الإشكالية التي تقوم عليها 8 آذار، أي إشكالية ربط الحركة المعادية للتسوية الإقليمية في لبنان بمصالح وتوجّهات النظام السوريّ في إطار هذه التسوية. وبشكل نظريّ معاكس، فإن الحرب الشاملة وحدها، وبوابتها سوريّة حكماً، هي الكفيلة بإلغاء الإشكالية التي تقوم عليها 14 آذار، أي إشكالية لبنان أوّلاً.
وبما أنّه ليس في الأفق من حرب شاملة ولا من تسوية شاملة، فإنّ حركة الجيئة والذهاب أو "لعبة اليويو" على الصعيد الإقليميّ بين محور الممانعة ومحور الاعتدال، وبين المناوئة وتلك الحليفة للغرب، إنّما تحكم على كلّ من 8 و14 آذار بالاستمرار في الوجود، وفي استقطاب كلّ الوضع اللبنانيّ. بهذا المعنى، فإنّ أي "تقارب" عربيّ عربيّ أو إيرانيّ أميركيّ في المرحلة الراهنة لن يمهّد لتجاوز ثنائية 8 و14 آذار، إلا إذا جنح فعلاً للسلم، وحينها ينتهي مبرّر وجود 8 آذار نفسها.
إلا أنّ "لعبة اليويو" الارتدادية على الصعيدين الإقليميّ والعالميّ، تستتبع أيضاً لعبة مماثلة من التنافر والتهدئة.. فالتنافر على الصعيد الداخلي، وتستتبع أيضاً وأيضاً "لعبة يويو" داخلية في كل من 8 و14 آذار، وبالأخص عشية إعداد اللوائح الانتخابية، ولو أنّ استمرار وجود الخصم هو الذي يحكم استمرار الوحدة في المعسكر الذي يواجهه، واستمرار وجود السلاح في أيدي "حزب الله" هو الذي يفرض استمرار وحدة 14 آذار في المقابل، علماً أن السلاح سيبقى في يد "حزب الله" طالما لم تصل المنطقة لا إلى "سلام دائم" ولا إلى "حرب شاملة"، كما أنّ المشكلة الكيانية والأهلية التي يثيرها هذا السلاح ستبقى ملازمة له، ولا تداوى بالمسكّنات.
ليس السؤال إذن "هل" أو "كيف" تحافظ 14 آذار على وحدتها. الوحدة حتمية طالما بقي "السلاح" صانعاً لوحدة الطرف الآخر. السؤال هو كيف تتحكّم 14 آذار بـ"لعبة اليويو" الداخلية بين تلاوينها، وبين شعاراتها والوقائع، والمعلوم أنّ استعارة "لعبة اليويو" التي يتم اللجوء اليها أحياناً لوصف الحميات الغذائية الفاشلة (صعود وهبوط مضطرب في الوزن) أو لوصف الأزمات المالية (صعود وهبوط في البورصة)، تعني دائماً ارتدادات سلبية، ويتعذر بالتالي وصف ما يجري عشية الانتخابات، في كلا الفريقين، بالمخاض، أو ما يجري بين الفريقين، على أنّه هو.. المخاض.




















