محمد ابرهيم
بعد القمة العربية التي اختتمت اعمالها في الدوحة أول من أمس لم يبق من الخلافات العربية الرسمية سوى ما هو بين مصر وقطر.
وهذا الخلاف لن يكون مستعصياً على الحل في فترة قريبة طالما أن موضوعاته، الفلسطينية – السودانية – الاعلامية، تغيّرت معطياتها الاساسية، أو هي في طريقها لكي تتغير.
ومع ذلك يسود شعور بأنه كلما قُطع شوط في طريق المصالحات، كلما ظهر وكأن الوضع العربي يراوح مكانه.
السبب يكمن ربما في غياب قضية جامعة تتولى بذاتها تظهير قواسم عربية مشتركة تنقل الوضع العربي من الحاجة الى المزيد من المصالحات، وباستمرار، الى موقع مشترك واضح المعالم.
حتى الآن معظم التقارب هو بمثابة تدوير، لفظي، لزوايا المواقف. وفي بعض الحالات المواقف غير موجودة. فما معنى، مثلاً، "ان المبادرة العربية لن تبقى طويلاً على الطاولة"؟ وهل يمكن قيام "صف عربي" بالاستناد الى ذلك؟
كالعادة كان المعوّل أن يشكل الخارج الدافع نحو بلورة القواسم المشتركة الحقيقية. وعلى هذا الصعيد كان طيف حكومة يمينية اسرائيلية مشجعاً على توقع مستقبل "زاهر" للعمل العربي المشترك، ومنذ اللحظة الأولى لتشكيلها.
ثم قام حزب العمل الاسرائيلي بضربته التي جلّ ما فعلته هو تمييع ما كان يؤمل أن يكون حاسماً.
باستطاعة نتنياهو اليوم ان يعطي لكلامه غير المفهوم عن كيف ستستمر العملية السلمية نَفَساً مستمداً من ان حكومته تمثل طيفاً واسعاً لم يبق خارجه سوى… "كاديما".
وبكلام أوضح يستطيع نتنياهو أن يشتري بضعة أشهر من الميوعة في المواقف تكون نتيجتها في الجانب العربي البقاء في المنطقة الرمادية لما بعد المصالحات وما قبل المواجهات، مع اسرائيل طبعاً.
بالعلاقة مع الولايات المتحدة لا تبدو ادارة باراك أوباما قادرة في المدى المنظور، ولأسباب أميركية داخلية أولاً، ان تشكل هي الأساس الذي سيعيد تشكيل سياسات المنطقة في جانبها العربي – الاسرائيلي.
وهي في حدّها الأقصى ستدور حول الترويج، الاعلامي، لحل الدولتين، والاستعداد "للتصدي" لمشاريع الاستيطان الآتي وموازنة ذلك بالموقف المتشدد المستمر من "حماس".
هذه المعطيات تساعد نتنياهو في فرصة التمييع التي يحتاجها، قبل أن يقرر أين ستكون المواجهة المقبلة التي لن ينتظرها جمهوره طويلاً، خصوصاً ان شريكه العمالي ممثلاً بإيهود باراك بات يقدم وجه الصقر على ما عداه بغض النظر عن التشكيلة الحكومية التي يشارك فيها.
يبقى الموقف من إيران المنطقة الغائمة في المصالحات العربية وفي ما يتوقع من مستقبل لها.
فعلى هذا الصعيد نجد تخفيفاً متبادلاً في المواقف من إيران بين "المعسكرين العربيين" السابقين مما جعل المصالحات ممكنة.
تخفيف في اعلان العداء من جهة وتخفيف في اعطاء الأولوية للعلاقة مع طهران على العلاقات العربية من جهة أخرى.
وما يجعل ذلك ممكناً أن ايران نفسها بحاجة الى فترة هدوء تستكشف خلالها محتوى اليد الممدودة الأميركية. هل هي مجرد مرحلة انتقالية يعود العداء المعلن بعدها باعتبار ان أوباما بذل أقصى ما يمكن، أم سياسة جديدة حقاً، وصولاً الى تحجيم الملف النووي الايراني، ووضعه في خانة الانتشار النووي العالمي، لا في خانة الخطر المصيري على اسرائيل والمستقبلي على أوروبا"؟
هذه الانتظارية الايرانية تساعد من ناحية في عدم تعكير جو المصالحات العربية مع الاحتفاظ بامكانات العودة الى سياسات "عربية" فاعلة، ودائماً من البوابة الفلسطينية أولاً.
باختصار لا يبدو أيّ من الاطراف العرب الأساسيين على عجلة من أمره في الدفع باتجاه تحويل المصالحات الى سياسات عربية مشتركة، "فالخارج" لم يوضح مواقفه حتى يمكن البناء عليها والخارج هنا يشمل اسرائيل وأميركا وايران.
هل يدفع الفلسطينيون ثمن سياسة الانتظار العربية تطويلاً في معاناتهم تأخذ شكل المفاوضات الفلسطينية – الفلسطينية التي لا تنتهي؟
لا يستطيع الفلسطينيون ان يلوموا الآخرين منذ ان جعلوا المسافة بينهم مليئة بأطراف كثيرة، عربية وغير عربية.




















