المستقبل –
تحل في هذه الأيام الذكرى العاشرة لأول وآخر حرب في أوروبا خلال النصف الثاني للقرن العشرين، تلك التي شنتها قوات دول "الناتو" ضد صربيا لإجبارها على وقف ما كانت تقوم به القوات الصربية في كوسوفو من تطهير عرقي ضد الألبان هناك. وقد استمرت الحرب على شكل قصف جوي مركز تواصل لمدة 73 يوماً، كان يعد لإجتياح بري إن لزم الأمر، وانتهت بقرار مجلس الأمن 1244 الذي أنهى سيادة صربيا على كوسوفو ووضعها تحت إدارة دولية انتقالية.
والآن، إذا نظرنا إلى البلقان بعد عشر سنوات على هذه الحرب، يبدو كما لو أن هذه الحرب حدثت قبل ذلك بكثير، حيث أن التغيرات الكبيرة التي طرأت على المنطقة نزعت من البلقان ما كان "يتميز" به على الدوام: التوتر والخوف من اندلاع نزاعات وحروب جديدة. وبعبارة أخرى، يبدو البلقان الآن كأنه لم يعد بلقاناً، بل كأي مكان آخر في أوروبا مع بعض التمايز الذي يدخل ضمن التنوع الأوروبي.
ففي ربيع 1999، كان سلوبودان ميلوشيفيتش في ذروة قوته فيما بقي من يوغسلافيا الفدرالية (صربيا والجبل الأسود وكوسوفو وفويفودينا)، وهو ما كان ينعكس توتراً على الدول المجاورة التي استقلت عن يوغسلافيا السابقة (سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة). وكان ميلوشيفيتش، الذي صعد إلى السلطة على رأس الحزب الشيوعي في صربيا، يمثل الأديولوجية القومية البلقانية التي تتباكى على الماضي وتنعى الحاضر لأجندة خاصة بأصحابها. وقد تبين بعد هزيمة صربيا الميلوشيفية في حزيران 1999، التي اعتبرت في وسائل الإعلام الرسمية "نصرا" بفضل "الصمود" لمدة 73 يوماً تحت القصف الجوي، مدى الخراب الذي لحق بصربيا ومدى إصرار "زعيمها" ميلوشيفتش على الاستمرار في الحكم ولو بتزوير الانتخابات في أيلول 2000.
ولكن صربيا كانت قد أفاقت من تخدير ميلوشيفيتش ووسائل إعلامه وأرغمته على الاعتراف بالتزوير والتخلي عن الحكم لمن فاز في الانتخابات (فويسلاف كوشتونيتسا). وقد تغيرت صربيا بسرعة إلى الحد الذي قامت فيه حكومتها بتسليم ميلوشيفيتش إلى العدالة الدولية في 2002، مع اعتراض بعض أنصاره بالطبع الذين لم يعودوا قوة مؤثرة في الشارع الصربي. صحيح أن رئيس الحكومة الصربية التي سلمت ميلوشيفيتش (زوران جينجيتش) تعرض للاغتيال في آذار 2003، ولكن التحقيق في هذا الاغتيال كشف عن مدى توسط "دولة" ميلوشيفيتش مع الإرهاب والمافيات والميليشيات المسؤولة عن جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة.
ومع انحسار كابوس ميلوشيفيتش، الذي آثر الانتحار حسب التقليد العائلي، لم يعد البلقان "برميل بارود" كما كان سابقاً بامتياز بل أخذ "يتطبع" ويصبح جزءاً من أوروبا بالواقع السياسي أيضاً وليس بالواقع الجغرافي فقط. فقد أخذت كل دول المنطقة تعمل على إدخال إصلاحات هيكلية لتأهيل ذاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي خصّص قمة سالونيك 2003 لأجل غرب البلقان.
وهكذا فقد بدأت "أوربة" البلقان في 2005 مع انضمام سلوفينيا إلى الاتحاد الأوروبي ثم مع انضمام رومانيا وبلغاريا في 2007 وترشح كرواتيا ومكدونيا وتوقيع "اتفاقية الشراكة والاستقرار" (التي تعتبر الخطوة الأولى نحو العضوية) مع ألبانيا والبوسنة والجبل الأسود وصربيا.
في غضون ذلك، كانت صربيا بقيادة فويسلاف كوشتونيتسا وريث ميلوشيفيتش تتردد بين القومية الصربية والديموقراطية الأوروبية، ولم تخرج من هذه الحالة إلا بعد صدمتين (استقلال الجبل الأسود في 2006 واستقلال كوسوفو في 2008) حيث أن الرئيس الحالي بوريس تادتيش فاز مع حزبه (الحزب الديموقراطي) في الانتخابات الأخيرة بشعار "الخيار الأوروبي" الذي يعني هنا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتأمل حكومة صربيا الحالية أن تنجح في الحصول على وضعية "الدولة المرشحة" حتى نهاية 2009م.
صحيح أن كوسوفو بقيت مشكلة بالنسبة لصربيا، بعد كل ذلك التجييش الأديولوجي والديني حولها خلال صربيا الميلوشيفية، وبالنسبة للعلاقات بين صربيا وكوسوفا كما هو الأمر بين صربيا والجبل الأسود، إلا أن هكذا خلاف لم يعد يهدد بنزاع عسكري كما كان الأمر في الماضي بل أصبح كل شيء قابلاً للحل بواسطة الدبلوماسية.
في هذه الذكرى، اختار خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي أن يتحدث مع التلفزيون التشيكي، حيث أن تشيكيا ترأس الآن الاتحاد الأوروبي، ليقول "إن البلقان الآن يختلف تماماً عن السابق، وإنه في طريق جيدة نحو الاتحاد الأوروبي"، الذي خصص الاجتماع المنعقد لوزراء الخارجية في 27ـ 28 آذار الفائت لأجل البلقان الذي لم يعد بلقاناً.




















