اختار الرئيس الاميركي باراك أوباما تركيا، المحطة الاخيرة في جولته الخارجية الاولى منذ تسلمه مهماته في 20 كانون الثاني الماضي، لمحاولة طمأنة العالم الاسلامي، وتوجيه تحذير أخير الى ايران التي دعاها الى الاختيار بين السلاح النووي ومستقبل أفضل. واغتنم زيارته للدولة التي تضطلع بوساطة في عملية السلام في الشرق الاوسط، وخصوصاً بين اسرائيل وسوريا، ليؤكد أن عملية أنابوليس و"خريطة الطريق" تمثلان طريق السلام في المنطقة.
وكان البيت الابيض واضحاً في تحديد أهداف الزيارة، اذ أفاد أن "الرئيس سيناقش في تركيا الحاجة الى الشركة الأميركية – التركية في معالجة تحديات إقليمية، مثل تهديد الارهاب والحرب في أفغانستان والعلاقات مع إيران والهدف المشترك المتمثل في اقرار سلام دائم بين إسرائيل وجيرانها".
وقال أوباما في خطاب ألقاه أمام مجلس النواب التركي ان "الولايات المتحدة ليست ولن تكون أبداً في حرب مع الاسلام". ولفت الى انه سيكشف في غضون اشهر برنامجاً اميركياً مهماً للتواصل مع العالم الاسلامي، موضحاً الى "أننا نريد أن نظهر بأعمال ملموسة التزامنا عالماً أفضل… نريد مساعدة مزيد من ألاولاد ليحصلوا على تعليم يفتح لهم طريق النجاح…في الاشهر المقبلة، سأعرض برنامجاً محدداً سعياً الى تحقيق هذه الاهداف.سنركز على ما يمكننا أن نفعله بالاشتراك مع العالم المسلم".
وحض طهران على ان تختار بين حيازة السلاح النووي أو بناء مستقبل افضل لشعبها. وقال: "اوضحت لشعب الجمهورية الاسلامية وقادتها ان الولايات المتحدة تسعى الى اقامة صلات مبنية على المصالح والاحترام المتبادل… الان على قادة ايران الاختيار بين مواصلة محاولتهم بناء سلاح او بناء مستقبل افضل لشعبهم".
وعن عملية السلام في الشرق الاوسط، قال: "دعوني أكن واضحا الولايات المتحدة تدعم بحزم هدف (اقامة) دولتين، اسرائيل وفلسطين تتعايشان في سلام وامن"، مشيرا الى ان ذلك يمثل الهدف المشترك للفلسطينيين والاسرائيليين وأصحاب النيات الحسنة في العالم، "هذا هو الهدف الذي اتفق الاطراف المعنيون على تحقيقه ضمن خريطة الطريق وانابوليس، وهذا هو الهدف الذي سأعمل على تحقيقه بهمة بصفة كوني رئيسا".
وكان وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان صرح الاسبوع الماضي بإن بلاده ليست ملتزمة عملية أنابوليس التي ادت الى اعادة اطلاق المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
واغتنم أوباما زيارته لتركيا ليجدد دعمه انضمام أنقرة الى الاتحاد الاوروبي، وقال إن "الولايات المتحدة تدعم بقوة انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي"، ذلك أن عضويتها تعزز الكتلة الاوروبية.
وهذه المرة الثانية في يومين يتدخل الرئيس الاميركي في الجدل الاوروبي ، مثيراً استياء دول أوروبية مثل فرنسا التي لا تقترح الا شركة مميزة مع تركيا.
الى ذلك، حض أنقرة على الاسراع في إصلاحات ليبرالية تهدف الى انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي.وقال إن تركيا أحرزت تقدماً في مجال حرية التعبير وحقوق الاقلية الكردية، لكنها يجب أن تمضي في الاصلاحات.
كذلك، شجع الحوار بين تركيا وأرمينيا، قائلا أن عملية الحوار الجارية "قد تؤتى ثمارها في وقت سريع جدا" نحو علاقات طبيعية بين الجانبين.
وفي ما عدا تصفيق متفرق، ساد هدوء قاعة مجلس النواب خلال خطاب أوباما، قبل أن يصفق النواب وقوفاً عندما أعرب عن تأييد بلاده لانقرة في حملتها على "حزب العمال الكردستاني"، وعندما قال إن واشنطن ليست في حرب مع الاسلام.
"حليف استراتيجي"
وفي وقت سابق، التقى أوباما الرئيس التركي عبدالله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وأكد أن آراءه في شأن قرار يصف قتل الأتراك العثمانيين للأرمن عام 1915 بأنه إبادة جماعية، لم تتغير، لكنه قال إنه يتوقع انفراجاً في محادثات بين تركيا وأرمينيا.
وصرح في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي: "آرائي مسجلة ولم أغيرها".
وهو كان تعهد خلال حملته الانتخابية وصف عمليات القتل بأنها "إبادة جماعية"، الامر الذي ترفضه أنقرة.وقد عُرض مشروع قرار في هذا الشأن على مجلس النواب الأميركي في آذار الماضي.
ولفت غول الى أن مسلمين أتراكاً قتلوا أيضاً في الفترة عينها، وأنه يعود الى المؤرخين لا الى السياسيين أن يقرروا طريقة وصف أحداث تلك الفترة. وتوقع أن تكون المحادثات بين تركيا وارمينيا مثمرة.
وأبرز أوباما الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين واشنطن وانقرة والتي توترت بسبب الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003. وأمل في تسويق استراتيجيته لباكستان وأفغانستان.
وأبلغ الى الصحافيين بعد لقائه أردوغان أن "تركيا حليف استراتيجي مهم للولايات المتحدة، ليس في مكافحة الارهاب فحسب، وانما في تطوير هذا النوع من الصلات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تساعد في ازدهار العالم". ولئن أقر بالتوترات السابقة في العلاقات بين الجانبين، أكد أن الامور تسير في الاتجاه الصحيح، لان البلدين يتشاطران مصالح مشتركة، وهما أمتان متنوعتان، وشدد على "أننا لا نعتبر نفسنا (أمة) مسيحية أو يهودية أو مسلمة. نحن نعتبر أنفسنا دولة مبنية على مجموعة من المبادئ والقيم… وتركيا تقوم على المبادئ ذاتها".
وتعتبر زيارة أوباما التي تختتم اليوم، بمثابة إقرار بالمكانة الاقليمية لتركيا وقوتها الاقتصادية وعلاقاتها الديبلوماسية ووضعها ديموقراطية علمانية تسعى الى الانضمام الى أوروبا.
فتركيا طريق عبور رئيسي للقوات والمعدات الأميركية المتجهة الى العراق وأفغانستان. ومع قرار خفض القوات الأميركية في العراق، يمكن قاعدة إنجيرليك الجوية أن تضطلع بدور رئيسي في هذا المجال.
وتظهر استطلاعات الرأي نفورا من غالبية الأتراك من واشنطن. لكن شعبية أوباما على مستوى العالم ملموسة فعلاً في تركيا. ورحبت الصحف التركية بالرئيس الزائر، وكتبت صحيفة "حريت" الأوسع انتشارا في صفحتها الأولى: "أهلاً بالسيد الرئيس"، فيما احتشدت مجموعات من المارة تلوح لموكبه وهو في طريقه إلى ضريح مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك .
وكتب أوباما في دفتر الزيارات عند الضريح: "اتطلع الى تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا ودعم رؤية أتاتورك لتركيا ديموقراطية وحديثة ومزدهرة".
(و ص ف، رويترز، أب، أ ش أ، ي ب أ)




















