في الأيام الأخيرة لعهد الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش كانت قد تزايدت النداءات الأكاديمية الداعية لاحتواء إيران بدلاً من مواجهتها عسكرياً بصورة ملحوظة. وفي الواقع، لم تكن هذه التحليلات أمراً جديداً كلية وإنما سبقها العديد من الدراسات التي حذرت من انقلاب الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط عليها عبر ترسيخ النفوذ الإيرانيّ في المنطقة بدلاً من احتوائه. وقد عبرت عن هذا الاتجاه بدقة مقالة نشرت عقب اغتيال بي نظير بوتو ربطت بين استراتيجية أميركا تجاه الجمهورية الإسلامية وحادثة الاغتيال هذه تحت عنوان "حاوروا إيران.. اضربوا باكستان"!!
وقد أكدت هذه الدراسات في مجملها أنه مع إنطلاق النظام الإيرانيّ دون تردد في الدعوة الصريحة الواضحة لتدمير إسرائيل، وفي الخرق المكشوف لقواعد واتفاقيات منع الانتشار النووي، يواجه المجتمع الدولي أحد احتمالين رئيسيين كلاهما غير مرغوب فيه بالمرة: يتمثل أولهما في الإذعان لرغبة طهران مع تمني أن تغير القيادة الإيرانية من صورتها العدوانية. أما ثانيهما فيتوقع قيام حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وربما بمساعدة بعض حلفائها، بتدمير المواقع والتجهيزات الإيرانية الأساسية، ومن ثم تعطيل تحقيق إيران لطموحاتها النووية أو القضاء عليها نهائياً.
وفي كل الأحوال؛ كان المناخ السائد آنذاك يتركز عامة حول الخيار العسكري وبحث آثاره ونتائجه السلبية، خاصة في ما يتعلق بالرأي العامّ الإسلاميّ وسوق البترول، إيماناً بأنّ اللجوء للخيار العسكري سيُشعل بدوره الاتجاهات العدائية ضد أميركا، كما سيؤدي إلى تعاظم تأييد الإسلام الراديكالي المتطرف في كافة أنحاء العالم.
ثم جاء التقرير الذي صدر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أواخر عهد بوش ليمضي في الاتجاه ذاته مؤكداً توقف طهران فعلياً عن الاستمرار في الإنتاج النووي منذ العام 2003، وموضحاً أنّ ثمة فترة طويلة أمام إيران لتتمكن فعلياً من إنتاج سلاح نووي، مما أدى إلى تقويض فرص المؤيدين للخيار العسكريّ من داخل الإدارة الأميركية، وعزز في الوقت نفسه من فرص المؤيدين للحوار والتفاوض.
في هذه الأثناء أظهرت دراسة حديثة نسبيا بعنوان "لماذا احتواء إيران لا يؤتي ثماره؟ إستراتيجية واشنطن الخاطئة بالشرق الأوسط" أعدها كل من: فالي نصر، أستاذ السياسة الدولية بكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية، والباحث المتخصص في دراسة الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب "إحياء الشيعة، كيف ستتشكل النزاعات داخل الإسلام في المستقبل"، وزميله راي تاكيه، الباحث بمجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب "إيران المخفية، التناقض والقوة في الجمهورية الإسلامية"، أنّ إستراتيجية واشنطن إزاء طهران كانت خاطئة تماما حيث انطلقت من إيمان القائمين على الإدارة الأميركية بأنّ كبح إيران أصبح ضرورة ملحة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، ليس فقط في الشرق الأوسط وإنما في العالم كله، وبما يحقق مزيدا من الأمن والاستقرار للمجتمع الدولي برمته، الأمر الذي يُشكك فيه مؤلفا الدراسة.
ومن ثم، يرى بعض المحللين أنه حتى إذا ما تمكنت القوة العسكرية الأميركية من التعامل مع تحديات الخيار العسكريّ، فإنّ الغارات الجوية قد تدفع الإيرانيين ومؤيديهم إلى منع البترول والغاز الطبيعي عن الأسواق، والقيام بأعمال إرهابية ضد البنية التحتية للطاقة، وإثارة حالة من عدم الاستقرار المدنيّ، يمكن أن تؤدي إلى خلق انكماش اقتصادي ينافس ركود منتصف سبعينات القرن الماضي والذي أدت إليه أزمة الطاقة وقتئذ. وعليه، فإنّ الخيار الأفضل ـ بحسب هؤلاء ـ يتضمن بالضرورة اتباع آلية دبلوماسية لنصح وصرف النظام الإيرانيّ عن تطوير قدراته الذرية وصناعة أسلحة نووية.
ومن هذا المنطلق يمكن أن تستغل الولايات المتحدة مراكز القوى المتعددة بطهران والتي يدور في داخلها وفيما بينها نقاش واسع وجدل محتدم بشأن جدوى الملف النووي بحد ذاته. حيث توجد في الإدارة الإيرانية عناصر مهمة ترتاب في الحكمة من وراء الاستمرار في البرنامج النوويّ وتخشى من جراء العزلة الدولية التي سوف تعاني منها طهران إذا ما استمرت في سعيها لامتلاك الأسلحة النووية، فضلاً عن أنّ الاندفاع المتهور للرئيس نجاد يثير قلق قطاعات مؤثرة أخرى في المجتمع الإيرانيّ وعلى رأسها القطاعات الدينية والعسكرية والاقتصادية.
تهدف واشنطن إذاً لتقويض التأثير الإيرانيّ بالمنطقة من خلال تقليل مكاسبها وعدد المؤيدين والداعمين لها، كما تهدف بالمثل إلى بناء خط صد من لبنان إلى عُمان لفصل إيران عن جيرانها العرب، وقد نجحت بالفعل حتى الآن في الحصول على دعم الأنظمة العربية المعتدلة المعارضة للسياسات الإيرانية في كل من: لبنان ومصر والسعودية والأراضي الفلسطينية.
وفي سبيل ذلك أعلنت واشنطن أنها سوف تزود بما يقدر بنحو 20 مليار دولار صفقات أسلحة للمملكة العربية السعودية والدول الخليجية وذلك لتعزيز قواها الدفاعية لردع أية محاولات إيرانية للتوسع أو أي عدوان إيرانيّ في المستقبل.
ومن ثم؛ يمكن بالفعل لحملة يقودها المعارضون للتسلح النوويّ الإيرانيّ أن تنتصر، فمن جهة لا تواجه إيران في الواقع تهديداً ذرياً من قبل جاراتها، ومن جهة ثانية يظل الاستمرار في هذا البرنامج قراراً إرادياً يمكن لطهران أن تتراجع عنه في أي لحظة.. وتلك قضية أخرى.
() كاتب وباحث مصري




















