في كل عام، وفي الثلاثين من آذار، يحيي الفلسطينيون الذين توزعوا في أربع جهات الأرض، وخصوصاً فلسطينيي فلسطين المحتلة، ما حصل لهم في منطقة الجليل الشمالية، ولبعض أراضيهم فيها، ويتذكرون الشهداء والجرحى، وهم يتشبثون بالأظافر بأراض تريد سلطات الاحتلال الإسرائيلية انتزاعها منهم بالقوة.
هكذا احتشد الفلسطينيون في ذلك اليوم عزلاً وبلحمهم الحي، وبقليل من الحجارة والعصي، في محاولة لمنع أو تعطيل جرافات وجرارات وأسلحة جيش الاحتلال الحديثة، من الاستيلاء على الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون والرمان والتين والعنب التي روتها أجيال متلاحقة بجهودها وعرقها، وها هي على وشك أن ترتوي جذورها بدم المقاومين الذين هبوا للدفاع عن وجودها.. ووجودهم.
وإذا ما كانت المواجهة التي تحولت دموية، ومعروفة المصير والنتائج. فإنها سجلت مجموعة من الدروس: 1 ـ نعم.. نحن أصبحنا أقلية في فلسطين، إلاّ أن الأرض تاريخياً هي ملك الشعب الفلسطيني، مهما تجبّر وتسلح العدو بأحدث الأسلحة وأكثرها دقة وتطوراً، فإن هذا الشعب لن يستسلم أمام جبروت القوة، ولن يمكّن المستوطنين من الاستيلاء على المزيد من الأرض، ولن يسلّم مطلقاً بحق الغرباء الأغيار فيها. 2 ـ إذا ما اعتبر العدو الصهيوني أن محاولات الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب، ما هي إلاّ "بروفة" سيكون ما بعدها، فإن شعب الأرض كذلك إنما يخوض تجارب في المواجهة كـ"بروفة" لتدبير أمر مواجهات أخرى وبأساليب شتى، تهدف لتعطيل وتعويق؛ أو حتى منع كل محاولة جديدة لمصادرة مزيد من الأرض والأملاك. 3 ـ خبر الشعب الفلسطيني الكثير من أساليب التزوير والغش والخداع والادعاءات الكاذبة والحجج المفبركة لمصادرة المزيد من الأرض، ولهذا لن يستكين، وسيقيم الدنيا ولن يقعدها أمام محافل الأعداء وقوانينهم القضائية المنحازة، وأمام ما يستطيع أبناء هذا الشعب الوصول إليه من محاكم دولية. 4 ـ قد تكون أجهزة إعلام العدو الإسرائيلي وإعلام أصدقائه قوية ومنتشرة وفاعلة، لكن شعب الأرض وعلى ضعف ما لديه من أجهزة إعلامية، سيستمر في فضح وكشف ممارسات الاحتلال وارتكاباته، بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يمكن أن تقدمه الإرادات الحرة والخيرة عربياً وعالمياً. لكن مثل هذا الشعب لن يستكين ولن يستسلم أبداً، ولن يضيع الحق في النهاية، ما دامت الأجيال الطالعة تواصل تسلم وتسليم رايات استمرار المقاومة وبأساليب مختلفة، جيلاً وراء جيل، وما دامت كلمات سر الحقوق والواجبات يتم رضعها مع حليب الأمهات.
ماذا حدث في ذلك اليوم من آذار عام 1976 بالذات، وما أسباب انتفاضة الفلسطينيين في ذلك اليوم والأيام التي تلته؟
سجلت بعض المصادر التاريخية المعلومات التالية: بدأت إسرائيل بمصادرة الأراضي في الجليل، بهدف إقامة مستعمرات جديدة ومعسكرات للجيش، وأعلنت أنها ستنفذ خططاً لاستملاك حوالي 1500 فدان من الأرض في المنطقة التاسعة من الجليل، عندئذ دعت "لجنة الدفاع عن الأراضي العربية" إلى اجتماع في مدينة الناصرة يوم 6/3/1976 حضره رؤساء المجالس البلدية والمحلية، وقرر المجتمعون إعلان يوم 30 من آذار إضراباً عاماً للمواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 احتجاجاً على سياسة الحكومة تلك. ولما دعا اجتماع الناصرة إلى الإضراب ذلك اليوم، كانت السلطات الإسرائيلية تدرك أن المواطنين الفلسطينيين، سيقومون بإضراب سلمي تعبيراً عن استيائهم من سياسة الحكومة الإسرائيلية في مصادرة الأراضي، ولكنها كانت تبيّت لهم الشر، فأرسلت ليلة الثلاثين من آذار قوات كبيرة من الشرطة والجيش تمركزت في مدن وقرى الجليل، وشمل الإضراب عرب الأرض المحتلة عام 1948 وعرب الضفة الغربية وقطاع غزة الذين هبوا لمؤازرة إخوانهم عرب الجليل. وجرت مصادمات عنيفة في جميع المدن والبلدات الفلسطينية، وتم حظر التجوال في الكثير منها.
أما في منطقة الجليل نفسها، فقد حدثت مواجهات عنيفة ودموية مع القوات الإسرائيلية في أغلب المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، وبصورة خاصة في الناصرة ـ كبرى المدن الفلسطينية في الجليل.
وقد توالى قيام انتفاضات وإضرابات ومواجهات عدة، ضد مصادرات الأراضي، ومنها: الانتفاضة التي حصلت في 27/9/1998 عندما قرر الجيش الإسرائيلي مصادرة 35 هكتاراً من أراضٍ في محيط مدينة أم الفحم، بحجة تحويلها إلى حقل رماية للجيش، وذكرت بعض المصادر أن نحو 500 إصابة وقعت في صفوف الفلسطينيين نتيجة الاشتباكات. كما أن 13 فلسطينياً راحوا ضحايا الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية من قرى وبلدات ومدن فلسطينية في الجليل والمثلث والنقب، كما ذهب عشرات الأشخاص جرحى، واعتقل المئات بعد قيام الانتفاضة الثانية في أيلول من عام 2000. أما مصادرات الأراضي والمصادمات من جراء ذلك في الضفة الغربية وفي الأراضي المحتلة عام 1948 بعد ذلك، وفي مدينة القدس ومحيطها بالذات، فإن ذلك يحتاج إلى أكثر من مراجعة.




















