صالح المطلق، الذي يبتسم ابتسامة عريضة تنم عن شعوره بالانتصار لثبوت صحة مواقفه السابقة، يقول إنه كان يعرف أن هذا اليوم لا بد أن يأتي. فعلى مدى سنوات وعضو البرلمان الودود، الأشعث، البالغ من العمر 61 عاما الآن، كان أشد المدافعين عن العراقيين الذين كانت تربطهم علاقات بحزب صدام القديم. وردا على ذلك، فقد أطلقت على المطلق وحلفائه كل الأوصاف الممكنة من انتهازيين إلى إرهابيين. ومع ذلك فهو يقول إنه أبلغ نوري المالكي قبل أربع سنوات أنه، أي المالكي، سيتوسل للبعثيين يوما بأن يعودوا.
وقد اقترب رئيس الوزراء العراقي المعادي بشدة للبعثيين من تحقيق تكهن المطلق غير المرجح هذا» وإن حسب شروطه هو. فمن دون أن يسمي الحزب الذي قصده، أعلن المالكي أن العراق يرحب بعودة "أولئك الذين كانوا يوما ما مضطرين للوقوف في صف النظام السابق" ما داموا يقبلون بنظام العراق الجديد. وقد طرح سامي العسكري، وهو أحد المقربين من رئيس الوزراء، الأمر بهذه الطريقة: "إنه يحاول القول «انظر، إن بابنا مفتوح إن كنت مستعدا للمشاركة في العملية السياسية ومستعدا لوقف العنف»". وقد أطلقت هذه الدعوة نقاشا قوميا في البلاد بشأن البعثيين، والمطلق كان في خضمه.
فبعد ست سنوات، بدأ استبعاد البعثيين العراقيين يخف تدريجيا. حزب المطلق حقق نتائج جيدة بما يكفي في انتخابات يناير المحلية الأخيرة لجعله يتنافس على القيادة السياسية للأقلية السنية في العراق. وكذلك فإن الأغلبية الشيعية بدأت بمد يدها هي الأخرى بهدوء للبعثيين السنة الذين يعيشون في البلدان المجاورة. والمسؤولون العراقيون يقولون إن الأمريكيين يشجعون على هذه المصالحة في الوقت الذي يحاولون فيه هم أيضا تأسيس قنوات أمريكية للتواصل مع البعثيين» فهذه الجهود يمكن أن تقلل من العنف في العراق فيما تبدأ القوات الأمريكية بالانسحاب. وفي مطعم قائم في المنطقة الخضراء، سمعت أخيرا نيوزويك أحد الدبلوماسيين الأمريكيين يطلب من مسؤولين عراقيين العمل على ترتيب عقد اجتماع له مع واحد من أشد العناصر تطرفا في نظام صدام السابق. واقترح الدبلوماسي عمان أو أي مدينة "محايدة" أخرى للاجتماع. مسؤول في السفارة الأمريكية، تحدث من دون الكشف عن اسمه بسبب حساسية الموضوع، قال إنه ليست لديه أي فكرة عن هذا الحديث، ولكنه أضاف أنه يعود "للعراقيين تقرير مدى ما سيذهبون إليه في هذا وبأي سرعة. نريد أن نحاول المساعدة بأي شكل نستطيع".
غالبية العراقيين سئموا حكومة لا تستطيع بوضوح إضاءة مصابيح مدنهم والإبقاء على تدفق المياه إليها. الذين كانوا يقومون بذلك ــ قاموا بإعادة بناء العراق بعد الهجمات الأمريكية المكثفة عليه في عام 1991 ــ كانوا في غالبيتهم قد انضموا إلى حزب البعث كوسيلة لحصولهم على فرص التعليم العالي وعلى الوظائف العليا. وفي أعقاب سنوات الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي، هرب الكثير من أعضاء الحزب الأحسن تعليما والأكثر مهارة من البلاد بحثا عن الوظائف والأمان لأسرهم في بلدان أخرى، والكثير منهم لم يعودوا.
هذا هو صلب حجة المطلق. ويقول المطلق: "إن المالكي يدرك الآن أنه لا يستطيع إدارة الدولة من دون التكنوقراط، أي المهنيين الذين بنوا هذه البلاد على مدى 35 عاما. غالبية هؤلاء هم بعثيون". وبحث مع الأمريكيين، استعادة الجيش العراقي الآلاف من الضباط السابقين ـــ وهم جميعا كانوا من البعثيين بالاسم ــ إلى وظائفهم السابقة. ولكن غالبية هؤلاء هم من الشيعة. أما السنة من هؤلاء فما زالوا يشعرون بأنهم مستثنون.
في ظل حكم صدام أصبح حزب البعث شبكة محتقرة يخشاها الجميع من المخبرين وأصحاب المحسوبيات. جزء كبير من عقيدة الحزب انتهى، كما يستحق، مثل تمجيد القومية العربية على حساب الأكراد الإثنيين والاشتراكية الضيقة الأفق والقومية التي أذكت حروب صدام المرعبة. ولكن علمانية شرب الويسكي التي يتسم بها الحزب تجتذب العراقيين الذين سئموا حكم الإسلاميين، كما أن تركيز الحزب على الحكومة المركزية القوية ومعارضته لإيران أصبحا يكتسبان التأييد في بلد يعاني النزاعات والجيران المتدخلين في شؤونه.
المطلق، المتحدي والصريح إلى حد لافت جذاب، هو رمز حي لماضي البلاد المتنافر. فهو كان عضوا في حزب البعث حتى عام 1977 حين عارض إعدام خمسة من الشيعة لاتهامهم بالتآمر ضد الحكومة. هذه القصة معروفة جيدا في العراق: وشدد المطلق على أن أولئك الرجال استحقوا محاكمة عادلة على الأقل. ولكن أولئك الرجال الخمسة أعدموا على أي حال» وطرد المطلق بعدها من عضوية الحزب.
وقد دخل بعد ذلك في تجارة الأعمال الزراعية كشريك لبعثي سابق آخر، وهو شيعي كان يوما رئيس صدام في الحزب قبل أن يطرد من الحزب بعد صراع على السلطة في ستينات القرن الماضي. وتكاد ترى المطلق يزداد حيوية حين كان يتحدث عن الأيام الخوالي، حين كان ينام الليل في مخزن لبذور البصل ثم يستيقظ في الصباح ليبدأ العمل مع إطلالة الفجر. المطلق حائز درجة الدكتوراه في الهندسة الزراعية، وكغيره من الكثير من العراقيين المتعلمين نأى بنفسه عن النظام حينئذ، ولكنه كان مستعدا للاستفادة من ميزاته حين كانت الفرصة تدق بابه. ففي أحد أيام منتصف ثمانينات القرن الماضي وصل صدام بطائرة هليكوبتر إلى مزرعة كان قد استأجرها البعثيان المتمردان السابقان. وقد أعرب صدام عن إعجابه بخصوبة الأرض في تلك المزرعة إلى حد أنه أمر بتملكها لحساب الحكومة وعرض على أصحابها فدادين من الأرض مقابل ذلك في مكان آخر كتعويض لهم عنها.
وقد انطلق المطلق ثانية وحقق نجاحا كبيرا، إذ استحوذ على (عبر عقود يقول إنها كانت دائما تطرح في المزاد العلني) سلسلة مزارع وبيوت زجاجية زراعية. وأصبحت مضخات المياه الضخمة التابعة له توصل المياه إلى أراض كان يشرف عليها عدي، ابن صدام الأكبر المتسم بالعنف، وتمكن المطلق لاحقا من الاستحواذ على تلك الأرض من عدي. (وهو يقول إنهما لم يجتمعا أبدا). ويقول المطلق إنه في نهاية المطاف كان عمله الزراعي يوفر ثلث احتياجات العراق من الخيار والباذنجان والطماطم، وأصبح واحدا من أكبر المزارعين في البلاد بحلول الغزو الأمريكي عام 2003.
وبعد ذلك، تحول إبعاده عن حزب البعث قبل فترة طويلة إلى ميزة إيجابية بالنسبة إليه. فقد سمي عضوا في اللجنة التي كلفت المساعدة على صياغة الدستور العراقي الجديد. ولو أنه كان عضوا رفيع المستوى في الحزب لربما لم يكن قد سمح له أبدا بالعودة إلى العمل السياسي بعد الغزو. وحين طرح الدستور الجديد للاستفتاء العام في 2005، عارضه المطلق، وذلك جزئيا لأنه حظر البعث والبعثيين. ومع ذلك فإنه رفض المقاطعة السنية الشاملة تقريبا للانتخابات البرلمانية في العام ذاته، بل ترأس بدلا من ذلك جبهة الحوار الوطني التي حازت 11 مقعدا في البرلمان ذي الـ275 مقعدا الذي يسيطر عليه الشيعة.
وحيث إنه كان من السنة القلائل الذين تحدوا حركة التمرد العنيفة بمشاركته في العملية السياسية، فقد دفع المطلق ثمنا رهيبا لذلك. فقد اختطف شقيقه وقتل بعد انتخابات 2005 كما قتل الكثير من حراسه في أعمال التفجيرات. ويعيش المطلق اليوم ويعمل متمتعا بالجو الآمن بفندق في المنطقة الخضراء» زوجته (الشيعية) وابنه ما زالا في عمان. وقبل الانتخابات الأخيرة بقليل، قتل نائب حزبه، وهو بعثي سابق أيضا، في انفجار نسب إلى متشددي القاعدة.
البعثيون المتشددون هم بعض أشد منتقدي المطلق. فهم قد يرونه كتهديد لهم، على أساس أنه يقوم باستنزاف تجمع أتباعهم المعزولين، كما يقول المحلل السياسي العراقي وميض نظمي. ويطالب المطلق بإلغـــاء القــوانين التي تستثني كبار البعثيين من وظائفهم الســابقة وامتيـــازاتهم التقاعدية، كما يريد إلغاء الحظر المفروض على البعث في الدستور. وهو يقــول إنه يـــؤمن بالديمــوقراطية ويصف صدام بـ "الدكتاتور الكبير". وقال: "لكي أكون صادقا، لقد بدأت أعتقد أننا العراقيين لا يمكن أن نقاد بسهولة من دون شخص قاس".
انتخابات يناير الماضي كشفت عن تأييد جماهيري لأفكاره. فقد كان المطلق قد شكل قائمة من السنة العلمانيين الذين كانوا جميعا قد ظلوا في العراق أثناء فترة حكم صدام. بالنسبة إلى المطلق تعتبر هذه نقطة يفتخر بها، وهو نقيض ما فعله الحزب الإسلامي العراقي المنافس الذي يقوده منفيون عراقيون سنة عادوا إلى البلاد بعد الحرب. ورغم أن قائمة الحزب الإسلامي حازت مقاعد أكثر مما حازته كتلة المطلق، فإنه يعتبر ما أنجزه انتصارا، وذلك لسبب وجيه. فالحزب الإسلامي كان أكثر تنظيما وتمويلا بكثير، كما أن المطلق يعترف بصراحة بأنه ارتكب أخطاء غبية، مثل إرباك الناخبين بقيامه بتغيير اسم قائمته قبل الانتخابات بقليل. المالكي على ما هو واضح متفق على أن المطلق أصبح قوة ينبغي التعامل معها في السياسة العراقية: فقد اجتمع رئيس الوزراء الأسبوع الماضي مع البعثي السابق لبحث التحالفات الداخلية. المطلق يأمل بأن تحقيق هدفه بات قريب المنال أخيرا. ويقول: "لقد أبلينا بلاء حسنا. نحن هنا". ليس بعد، ولكنه في طريقه إلى ذلك.
تاريخ النشر: الثلاثاء 7/4/2009
"نيوز ويك
"




















