الحياة – 10/04/09//
كان أداء باراك أوباما ممتازاً في جولته الأوروبية. فأينما ظهر، برهن بفضل لباقته ورزانته عن شعبية كبيرة. لقد بعثت رسالته الضمنية طمأنينةً ملموسةً في النفوس، إذ أعلن أن أميركا أصبحت بعيدةً جداً عن الجهل التام والأعمال الوحشية التي اتسم بها عهد بوش. فباتت أميركا جديرةً بالاحترام.
لكنّ ثمة ناحية أخرى برزت في أدائه، وكانت أكثر مفاجأةً. ففي خلفية الكلمات الجميلة التي ألقاها بشكل متقن، وفي خلفية تواضعه الذي لا يقاوم، يُلاحظ وجود قبضة من حديد. فيبدو أن أوباما يعرف ما يريد ويبدو أنه مصمّم على المضي قدماً نحو أهدافه. ويجب أن يتنبّه العالم إلى أنه من غير السهل الاحتيال على هذا الرئيس الأميركي أو تضليله، فهو يتميّز بقبضة حديدية في كفّ مخملية.
احتوت خطابات أوباما، لا سيما الخطاب الذي ألقاه في البرلمان التركي وسط ترحيب كبير، على عدد من التحديات بالنسبة إلى الدول الصديقة والعدوة على حد سواء. وكان بعض الأهداف التي أعلن عنها متوقعاً. فكما كان منتظراً، تعهّد بـ «تفكيك تنظيم القاعدة وهزمه». وتوجّه إلى الأتراك بالقول: «أعدكم بأننا سندعمكم في مناهضتكم الأعمال الارهابية التي ينفذها حزب العمال الكردستاني»، وهو الحزب الذي يناضل باستخدام وسائل عنيفة من أجل التوصل إلى كردستان مستقل خارج منطقة الأناضول.
وامتنع أوباما عن توجيه تهديد إلى إيران غير أنه بعث برسالة واضحة إليها فقال «يجب أن يختار زعماء إيران ما إذا كانوا يودون صناعة الأسلحة أو بناء مستقبل أفضل لشعبهم… فلن يتم تعزيز السلام في المنطقة إلا اذا تخلت إيران عن أي طموح يهدف إلى حيازة الأسلحة النووية».
وما لم يكن متوقعاً هو تحدّي حلفاء أميركا، أي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مثلاً والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.
في ما يتعلق بإسرائيل أعلن ما يلي: «لأكن واضحاً، تدعم الولايات المتحدة بشدة حلّ إقامة الدولتين، دولة إسرائيل ودولة فلسطين، دولتان تعيشان جنباً إلى جنب بأمان وسلام… فهذا هو الهدف الذي سأضعه نصب عيني كرئيس». ولا شك أن نتانياهو وزملاءه الذين ينتمون إلى حزب اليمين لم يرغبوا في سماع كلام مماثل بما أنهم كرّسوا مسيرتهم السياسية لمنع قيام دولة فلسطينية.
وجاء الرد قاسياً على خطاب أوباما وذلك على لسان غلعاد اردان وهو وزير البيئة الاسرائيلي وعضو في حزب «الليكود» فقال، «إسرائيل لا تأخذ الأوامر من أوباما». ويبدو أننا على وشك أن نشهد صراع إرادات لا سيما أن جورج ميتشل هو مبعوث أوباما إلى الشرق الأوسط سيصل إلى المنطقة قريباً بغية استكمال مهمة السلام.
أما نتانياهو فهو في موقف لا يحسد عليه. إذ أن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة كبير للغاية بحيث سيكون من التهور الدخول في صراع مفتوح مع الرئيس الأميركي. لكن في حال أذعن نتانياهو، وقبل بمبدأ حل الدولتين وهو أمر لم يفعله يوماً، فقد يتخلى عنه شركاؤه الذين ينتمون إلى اليمين المتشدد فتنهار حكومته.
كما توجه أوباما إلى كل من ساركوزي وميركل بالقول: «لكي أكون واضحاً، تدعم الولايات المتحدة محاولة تركيا لأن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي… فقد تساهم عضوية تركيا في توسيع الاتحاد الأوروبي وتعزيزه… لا سيما أنها جزء مهم من أوروبا». ولن يفرح ساركوزي بسماع هذه الرسالة بما أنه لم يخف معارضته الشديدة لعضوية تركيا في الاتحاد. فكان يقول أحياناً إن تركيا هي جزء من آسيا ويجب أن تبقيها أوروبا على مسافة بعيدة منها. أما ميركل فقد ذكرت بدورها أنها تفضل إقامة «علاقة مميزة» مع تركيا، ما يقطع الطريق أمام انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
ويبدو أحياناً أن أوباما يمهّد لما يريد قوله فيبدأ خطاباته بكلمات مثل «لأكن واضحاً…» وقد غيّر هذه الصيغة قليلاً عندما تطرّق إلى أحد المواضيع المهمة وهو عزمه على وضع حدّ للنزاع بين أميركا والعالم الاسلامي. ففي عهد جورج بوش الابن، كانت العلاقة متوترة مع العالم الاسلامي للغاية بسبب حربي العراق وأفغانستان وبسبب «الحرب العالمية على الارهاب»، ودعم أميركا لإسرائيل.
وجاءت رسالة أوباما كما يلي: «دعوني أقول ذلك بوضوح تام: ليست الولايات المتحدة في حالة حرب مع الاسلام ولن تكون يوماً كذلك. في الواقع، تعتبر علاقتنا بالعالم الاسلامي على المحك بسبب تصدينا لعقيدة متطرفة ترفضها الشعوب بصرف النظر عن الدين الذي تنتمي إليه… فنحن نسعى إلى إقامة علاقات واسعة مع العالم الاسلامي تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل».
وتابع أوباما بالقول: «سنصغي جيداً ونلغي سوء التفاهم ونبحث عن ميادين مشتركة في ما بيننا. سنحترمكم حتى لو لم نوافق على بعض أفعالكم. ونحن نقدّر الدين الاسلامي تقديراً كبيراً، هذا الدين الذي عمل على مرّ العقود على بناء عالم أفضل بما في ذلك في بلدي. فالمسلمون الأميركيون أغنوا الولايات المتحدة، كما أن عائلات عدد كبير من الأميركيين تضم مسلمين أو أشخاصاً عاشوا في بلد ذات أكثرية مسلمة، وأنا أعرف ذلك لأنني واحد منهم».
لم يسبق لأي رئيس أميركي أن توجه إلى المسلمين بهذه الطريقة من قبل. ولا شك أن أياً من الرؤساء الذين سبقوه لم يترعرع في العالم الثالث كما أن أياً منهم ليس من عرق مختلط، مما يجعل أوباما مرشحاً مثالياً لاتمام المهمة التي اختار الاضطلاع بها.
فباراك أوباما هو رجل سلام. ويشكل ذلك أحد ميزاته إذ أنه يريد السلام بين اليونانيين والأتراك حول موضوع قبرص والسلام بين تركيا والأميركيين على رغم ذكرى ما أطلق عليه اسم «أحداث العام 1915 المؤلمة» والسلام بين إسرائيل وسورية وبين إسرائيل والفلسطينيين والسلام في العراق «لأنه لا يمكن فصل مستقبل العراق عن مستقبل المنطقة بأكملها» فضلاً عن السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدا وكأنه يرحب بالوساطة التركية الهادفة إلى المساعدة على إطلاق الحوار الذي يأمل في حصوله مع زعماء الجمهورية الاسلامية وذلك بعد ثلاثين سنة من العداوة.
يبدو باراك أوباما كمن يلقي العظات، عندما يعرض حلوله لمشكلة الشرق الأوسط الذي يعاني النزاعات والانقسامات، ويعمد إلى تهدئة النفوس باستخدام كلمات مناسبة. فهل ستلقى رسالته آذاناً صاغية؟ المؤكد هو أن الأقوال لن تكون كافية. فكي يتم حل الخلافات في الشرق الأوسط نهائياً وليس جزئياً كما في الماضي، سنصل إلى وقت نحتاج فيه إلى أن يُخرج أوباما القبضة الحديدية من الكفّ المخملية.
وسيكون من المثير مراقبة ما قد يحصل حينها.
* كاتب بريطاني متخصّص في شؤون الشرق الأوسط



















