حازم صاغيّة
كان صعود «الحمائيّة» أحد المخاوف التي واجهت العالم، مع اندلاع الأزمة الاقتصاديّة. ففيما كان الرئيس الفرنسيّ («الديغوليّ») نيكولا ساركوزي يغازلها، موحياً أنّها طريق الخلاص، كان غيره يذكّر بشعبويّتها وبالمناخ القوميّ المحتقن الذي يواكبها، وآخرون يؤكّدون على استحالتها المطلقة في زمن ذهب بعيداً في التداخل والعولمة.
و «الحمائيّة» تحيل أساساً إلى ما حصل في الولايات المتّحدة الأميركيّة في 17 حزيران (يونيو) 1930، أي بعد أشهر على انفجار أزمة 1929، حين صدر قانون «(السيناتور) سموت و (النائب) هاوي» مؤدّياً إلى فرض الضرائب والرسوم على ألفي سلعة مستوردة. لهذا ما إن وردت مؤخّراً عبارة «إشتر [البضاعة] الأميركيّة» في خطّة التعافي الاقتصاديّ التي أجازها الكونغرس، بقيمة 787 بليون دولار، حتّى ثارت المخاوف في سائر العالم، وسارع الرئيس أوباما ووزير تجارته تيموثي غايثنر إلى تبديدها. وبالفعل ففي لقائه الأوّل مع أوباما، حذّر الرئيس البرازيليّ لويز إيناسيو لولا داسيلفا من مخاطر الحمائيّة، في موازاة دفعه إلى تحسين العلاقات بين واشنطن وكلّ من هافانا وكراكاس. وعندما اجتمع وزراء ماليّة مجموعة الدول السبع، كان أوّل ما تعهّدوه تجنّب جعل الحمائيّة بنداً في خططهم لمكافحة الأزمة، والتوكيد على أن تكريس العوائق يجعل الأمور أسوأ دائماً. ثمّ جاءت قمّة العشرين في لندن، في تعزيزها عمل المنظّمات الدوليّة وتوسيعها عمليّة صنع القرار فيها بحيث يشمل دولاً كالهند والصين والبرازيل، لتحاصر الأمزجة الضيّقة والقوميّة والحمائيّة على أنواعها.
مع ذلك فالقفزة النوعيّة، على هذا الصعيد، تقدّمها الصين وتايوان. فالأولى درجت، منذ 1949، على اعتبار الثانية كياناً انفصاليّاً ومصطنعاً يدعمه أعداء الصين الكولونياليّون والإمبرياليّون. وهي لم تتلكّأ في الدعوة الى تحريرها واستعادتها إلى الوطن الأمّ. بيد أن هذه اللغة التي تشابه اللغة السياسيّة العربيّة في الكلام على إسرائيل، شرعت تتراجع أمام الأزمة الراهنة: ذاك أن الصين وتايوان وافقتا على السماح بعبور الاستثمارات عبر مضيق تايوان، وقد تعهّدت الدولتان، في بيان مشترك صدر قبل أيّام قليلة، بـ «الوصول إلى التطبيع في ما خصّ العلاقات الاقتصاديّة المتقاطعة»، مُصرّتين على أن أمامهما «فرصة تاريخيّة نادرة»، وأن عليهما «تشجيع وتطوير البيزنس في البرّ الصينيّ بحيث… يستثمر في تايوان». وهذا هو الاتّفاق الثالث بين الدولتين، وقد وُقّع أوّلها مع نشوب الأزمة الكبرى التي رافقها وصول إدارة جديدة إلى السلطة في تايوان، إدارةٍ وعد رئيسها، مانيغ جو، إبّان حملته الانتخابيّة، بتحسين الاقتصاد من طريق تحسين العلاقات مع الصين الكبرى.
فالصينيّون لم يكتفوا، إذاً، باستبعاد الحمائيّة، بل قطعوا خطوة كبرى في الاتّجاه المعاكس، مستبعدين الإيديولوجيا من طريق المصالح، وعاملين على محاصرة النزاع العميق بتعزيزهما التعاون الذي يعينهما معاً كما يساعد على تذليل أزمة عالميّة.
وبالطبع ليست جديدةً دعوات التعويل على الاقتصاد والمصالح المشتركة جسراً لرأب الصدوع والاختلافات بين الدول والأديان والقوميّات. وهي دعوات بلغت سويّة طوباويّة وتبشيريّة عند بعض مثقّفي وحالمي القرن التاسع عشر. مع ذلك، يتأكّد أن حلماً نبيلاً كهذا ينبغي ألاّ يغادر مخيّلات البشر الساعية إلى رفد «الإنسانيّ» بمضمون أرفع. وإذا كان من المؤكّد أن الإنسان الاقتصاديّ لم يولد بعد، فالمؤكّد أيضاً أن الإنسان المناهض للاقتصاد، الحمائيّ والقوميّ، لن يقوى على البقاء طويلاً بعد اليوم.




















