الهفوة في اللسان أخت السقطة والزلة. وجمعها هفوات. وسقط في كلامه: أخطأ. والزلة شرعاً: وقوع المكلّف في أمر غير مشروع ضمن تنكّب أمر مشروع. ومن كلام أكثم بن صيفي، في خطأ القول وهذره: "لكل ساقطة لاقطة". وهذا تحذير من سقط الكلام. يقول: إن في الناس من يلتقطه فينميه ويشيعه، حتى يورط فيه قائله، فاحذره. وقال الأصمعي: من أمثالهم في التحفّظ: "ربما أعلمُ فأذَر". يريد: أني قد أدع الشيء وأنابه عالم، لما أحاذر من فتنة. وقال أبو عبيدة: "إذا وُقي الرجل شرّ لقلقه وقبْقبه، فقد وُقي". فاللقْلق: اللسان. والقبْقب: البطن.
والهفو في الكلام، هو الهزر ايضاً.والهزر هو الهجر. ومن امثالهم في هذا: "من اكثر أهجر". يعني ان المكثر، ربما خرج إلى الهجر، وهو القبيح من القول. يقال: أهجر، إذا أفحش وقال ما يقبح. ويقال: هجر في منامه: إذا تكلم بما لا يعقل. ويقال: هجر المريض وأهجر: إذا هذى. وقال ابن عباس: اشتد برسول الله (صلعم) وجعه، فقال: "اتوفي بكتاب أكتب لكم، لا تضلوا بعدي. فقالوا: ما شأنهُ أهجَرَ"؟
وقال أكثم بن صيفي: "المكثار كحاطب الليلي". وقد شبه بحاطب الليل، لأنه ربما نهشته الحية، أو لسعته العقرب في احتطابه ليلاً. قال: فكذلك هذا المهزار، ربما اصاب في إكثاره بعض ما يكره. وكان "ربيعة الرأي" القاضي، مكثاراً، فسمعه أعرابي يوماً يتكلم. فلما كان عند انقضاء مجلسه، سأله رجل: ما تعدون العيَّ بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه اليوم. يعني إكثار ربيعة. قال ابو عبيد البكري: هو ان المحتطب ليلاً يجمع بين شخت الحطب وجزله ويابسه ورطبه لا يختار، لظلام الليل.
وقال لقمان: "الصمت حُكْمٌ وقليل فاعله"، عندما شاهد النبي داود يسرد درعاً ليلبسها. والسرْد: سمْر حَلَقِ الدرع. وقال تعالى: (وقدّرْ في السرْد؛ سبأ. أي لا تجعل المسمار دقيقاً فيَقْلَقُ، ولا غليظاً فيقصم الحلقة.
وقال علقمة بن عُلاثة الجعفري، أحد حكماء العرب: "أوّل العيّ الاختلاط، وأسوأ القول الإفراط". والإختلاط: التخطيط في الكلام، والاكثار. وكان ابن القاسم يقول: أول العيّ الإحتلاط بالحاء المهملة، وهو الغضب. يقول إن العييّ بالمنطق لعجزه عن الكلام والعبارة عمّا في نفسه، يرجع إلى الغضب والضجر، برماً بخصمه.
وقال ابو عبيد: من أمثالهم في هذا: "من حفّنا أو رفّنا فليقتصد". يريد: من مدحنا فلا يَغْلونَّ في ذلك، ليتكلم بالحق منه. وفي حديث مرفوع، ان رجلاً، جاء النبيّ، فاقل: انت افضل قريش قوْلاَ وأعظمها طوْلاً. فقال النبيّ(ص): يا أيها الناس. قولوا بقولكم، ولا يستجِرْيَنَكم الشيطان. أي لا يتخزنكم إجْرياً أي وكلاء.
ومثل هذا في كلام العرب، قولهم: لا تهرِف بما لا تعرف. والهَرَف هو الإطناب في الثناء والمدح. ويروى عن وهب بن منبه انه قال: إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك، فلا تأمن أن يقول فيك من الشرّ ما ليس فيك. ومثله المثل السائر في العامة: من عرف بالصدق جاز كذبه. ومن عرف بالكذب لم يَجُزْ صِدْقه.
ومن الأمثال فيما يخاف من غب الكذب، قولهم: "إن الرائد لا يكذب أهله". وهو الذي يقدمونه ليرتاد لهم كلأً أو منزلاً أو موضع حرز يلجأون إليه من عدوّ يطلبهم. فإن كذبهم أو غرّهم، صار تدبيرهم على خلاف الصواب، فيهلكون. ومثل العامة في ذلك قولهم: "الكذب داءٌ والصدق شفاءٌ". وذلك ان المصدوق يعمل على تقدير يكون فيه مصيباً. وأن المكذوب على ضدّ ذلك. وساوم رجل رجلاً ببكر أراد شراءه. فسأل البائع عن سنّه، فأخبره بالحق. فقال الشاري: "صدقني سن بكره". فكانت كلمته مثلاً.
ومن التصديق قول أبي بكر حين قالت له قريش: هذا صاحبك يخبر أنه سرى ليله الى بيت المقدس وانصرف. فقال "إن كان قال، فقد صدق"، فسمي بذلك الصدّيق. ومن أمثالهم في التصديق: "القول ما قالت حذام". قاله لجيم في زوجه حذام وكانت ذات رأي:
إذا قالت حذام فصدّقوها
فإن القول ما قالت ذامِاً
وفي باب الرجل يعرف بالاصابة والصدق، تكون منه الزلة والسقطة والهفوة والذربة، قولهم: "لا تعدم الحسناء ذاقاً". وقولهم ايضاً: لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة، ولكل صارم نبوة". والعامة تقول في هذا: "إن الجواد قد يعثر". كالرجل يكون الغالب عليه أفعال الامور الجميلة، ثم يكون منه الفتلة من الزلل. ومثله قول أبي الدرداء: "من لك يوماً بأخيك كله". وكذلك قولهم: "أي الرجال المهذّب". قال النابغة الذبياني:
ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمُّهُ
على شعثٍ، أي الرجال المهذّب؟
وفي الحديث المرفوع: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" وكذلك مقالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر بن الخطاب، حين قال له: ابسط يدك أبايعك. فقال له أبو عبيدة: "ما سمعت منك فَهّةً في الاسلام قبلها"! والفهّة والفهاهة، العيّ. والفهيه: العيي. وافهني فلان عن الامر: نسانيه!
وفي اصابة الرجل في منطقه مرة، وإخطائه مرة، قولهم: شخْبٌ في الإثاء، وشخْبتٌ في الارض". واصله ان الحالب يحلب، فيصيب مرة فيسكب في إنائه، ويخطئ مرة فيشخب في الارض. قال الأصمعي: ومثله قولهم: "هو يشوب ويروب" معناه يشوب ويمزق مرة، ويأتي بالصريح الخالص مرة. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: "يشجُّ مرّة ويأسو أخرى". أي يفسد حيناً ويصلح حيناً. وقال الاحمر نحو هذا: "أطرقي وميشي". أصله خلط الشعر بالصوف، والصواب بالخطأ.
وفي باب سوء المسألة وسوء الاجابة في المنطق، قال الأصمعي: ومنه قولهم: "أساء سمعاً، فاساء جابة". أي أساء إجابة. وقيل ايضاً "أشبه امرؤ بعض بزه".
وفي تفاضل الرجل عن الرجل، قال الشاعر:
ترى الناس أشباهاً إذا جلسوا معاً
وفي الناس زيفٌ مثل زيف الدراهم
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
القوم أشباهُ. وبين حلومهم
بؤْنٌ. كذلك تفاضل الاشياء.
وفي باب الرجل يعرف بالصدق، ثم يحتاج الى الكذب، ما رواه الزبير، قال:
كان الحجّاج قد حبس الغضبان ابن القبعثري. فدعا به يوماً وقال: زعموا انه لم يكذب قط ولأجعلته يكذب اليوم. فقال له: سمنت يا غضبان! فأجابه: "القيد والرتعة والخفض والدعة وقلة التعتعة". ومن يكء ضيف الامير يسمن. قال: أتحبني يا غضبان! قال: أوَ فرقٌ خيرٌ هو من حبين. وإنما أراد الغضبان أن هيبته له وفرقه منه أنبل وأرفع من محبته إياه مرتين. والعرب تقول: "خشيةٌ خير من ملء وادٍ حباً".
وكما تقول ايضاً: رهبوني خير من رحموني.
وفي حفظ السر وكتمانه وترك النطق به، حفظ اللسان. وقالوا: "اجعل سرّك في وعاء غير سرب". وقد قال بعض الحكماء: "السر أمانة". وفي حديث مرفوع عن النبي (ص): "إذا حدّث الرجل بحديث، ثم التفت، فهي أمانة، وإن لم يستكتمه"! ومن أمثالهم في هذا: سرّك أسيرك، فإن نطقت به فأنت أسيره. وقال أبو عبيد: أملك الناس لنفسه من كتم سرّه من صديقه أو خليله".
أختم بباب إعلان السرّ وإبدائه بعد كتمانه. قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا:
"صرّح الحق عن محضه". أي انكشف بعد ستره. كذلك قالوا: "صرّح الحقين عن محضه". أي صرّح اللبن عن خالصه. وكذلك قالوا ايضاً: أبدى الصريح عن الرغوة". فإذا ظهر الامر كله حتى لا يستتر، قيل: "قد بيّن الصبح لذي عينين".
وقال ابو عبيد البكري: ومن أمثالهم في هذا: "قد أفرخ القوم بيضتهم". وأصله خروج الفرخ من البيضة. كذلك يقال: أفرخ الرجل بيضته. قال ما عنده. وأفشى ما خبّأه، وقد يقصد الى ذلك قصداً وعن عمد. كأن الامر رسالة يجب أن تصل الى المرسل اليه من المرسل!
نسأل أخيراً لا آخراً: هل الهفوة أخت البدرة والهرفة والزلة والسقطة والفرطة والتوبة والروبة والفهة والمزقة والعثرة والعي والسرْد والاحتلاط والاختلاط والاقتصاد والشختة والشخبة والنبوة والفلتة والشعثة والشجة والساءة والجابة والهذرة والهَجْر، بل نسال تصويباً وتصحيحاً: هل هنّ أخوات الهفوة السياسية المقصودة!
(استاذ في الجامعة اللبنانية)
"النهار"




















