بقلم شومئيل روزنر
هذا جدال لن ينتهي ابداً. وهو لا يمكنه أن ينتهي. ولكن ها هو مؤرخ آخر يضيف مدماكاً آخر. ريتشارد برايتمان يدّعي الآن في كتابه الجديد "لاجئون وانقاذ" بأن الرئيس فرانكلين روزفلت حاول انقاذ اليهود من الابادة النازية أكثر مما درجنا على الاعتقاد. زعم استفزازي في ضوء اعتقاد ضرب جذوره يقضي بأن روزفلت كان سلبياً جداً، لا مبالياً، في ضوء كارثة يهود أوروبا.
برايتمان يستند الى وثائق جيمس مكدونالد الذي كان ضمن أمور أخرى، مستشار روزفلت لشؤون اللاجئين (ومع الايام ايضاً السفير الاميركي الاول في اسرائيل). وتعرف منها ضمن أمور أخرى بأنه كان للرئيس الاميركي رغبة في انقاذ اليهود من المانيا حتى قبل الحرب العالمية الثانية، واسكانهم في دول مختلفة. وقد واجهت هذه الخطط معارضة شديدة ولهذا فشلت. برايتمان ليس المؤرخ الاول الذي يحاول تطهير روزفلت من تهمة ثقيلة. فقبل ثلاث سنوات نُشر "انقاذ اليهود" بقلم روبرت روزن، طارحاً ادعاءً مشابهاً. روزفلت أراد، ولكن لم يكن بوسعه. البروفيسور هنري فينغوولد كتب قبل عشر سنين من ذلك ان روزفلت، فعل قليلاً، ولكن عنده ايضاً يتم التشديد أحياناً عن انعدام الوسيلة السياسية لدى الرئيس.
على أية حال، الجدال لم يكن حول الحقائق بل حول تفسيرها: هل كان ممكناً التغلب على هذه المعارضة، وهل بذل روزفلت كل ما بوسعه؟ هل خضع لاصوات عديدة جداً في ضوء الحواجز المتراكمة امامه؟ وشيء آخر من الصعب الجدال فيه: في اختبار النتيجة روزفلت لم ينجح بالتأكيد.
لقد كان أحد الرؤساء الاكثر اثارة للألغاز في التاريخ الاميركي، والجدالات حوله فيها ايضاً معان سياسية راهنة. فاليمين الاميركي يحاول حتى اليوم مناكفة "الصفقة الجديدة" لروزفلت (السياسة الاقتصادية الجديدة) – وهو نموذج سابق لما يحاول الآن الرئيس باراك اوباما فعله في ضوء الازمة الاقتصادية الحادة. كتاب بعنوان "الرجل المنسي"، الذي صدر قبل سنتين، اصبح فجأة كتاباً مطلوباً جداً. وهو يعتقد ان "الصفقة الجديدة" كانت فشلاً ذريعاً، وأعضاء كونغرس من الجمهوريين يتباهون باقتباسه كلما هاجموا الخطط الاقتصادية لاوباما.
كما ان الجدال على مسؤولية روزفلت عن السلبية الاميركية في ضوء الكارثة توجد اختلافات سياسية. على نحو طبيعي، فإن من يميل الى روزفلت، والى اعتباره نموذجاً سياسياً مناسباً، سيبحث بشكل عام عن اسباب تبرئته من التهمة. وفي كل الاحوال، من الصعب أن نعرف ماذا كان سيحصل لو ان روزفلت حاول الاصرار أكثر، والمعاندة أكثر كي ينقذ اليهود. المتشددون سيقولون: ان ابداء الشجاعة السياسية من هذا النوع كان سيطهّره اخلاقياً، بل وربما كان سيؤدي الى نتيجة أفضل. أما المخففون فسيزعمون بأنه لو كان روزفلت استنزف نفسه في مواجهة مصير اليهود لما تبقت له القوة السياسية لتجنيد الأمة للحرب العالمية الثانية.
على أية حال، فإن مساهمة الكتاب الجديد ليست في انه يكتشف روزفلت بل في انه يدل على اميركا بأسرها. فليس الرئيس وحده كان ينبغي أن ينقذ اليهود، والميل "لشخصنة" هذه المسألة – التركيز على روزفلت "مذنب" أم "غير مذنب" – هو تعبير عن حاجة انسانية لتبسيط مسألة مركبة، والبحث عن هدف صوري حتى حين تلزم عدسة تكبير. ما تظهره وثائق ماكدونالد، وهي معروفة منذ زمن بعيد، هو ان الولايات المتحدة في ذاك الحين كانت لا مبالية إزاء مصير اليهود، وفي واقع الامر مصير العالم. ميول انعزالية جعلت الكونغرس حصناً لمثل هذه اللامبالاة. ولهذا ايضاً كانت اسباب: خيبة أمل من نتائج الحرب العالمية الاولى، وأزمة اقتصادية حادة. وها هو اذا الجدال التاريخي يصبح واقعياً مرة أخرى.
("معاريف" ترجمة "المصدر" – رام الله)




















