الرئيس الأميركي أوباما طرح خلال أيامه المئة الأولى في الحكم أكثر من مبادرة ومشروع وخطة، حتى يقال انه أكثر الرؤساء في تاريخ البيت الأبيض طرحاً للمشاريع والمبادرات رغم أنه أسوأهم حالاً بسبب الأزمة المالية وبسبب التركة السيئة التي تركها له سلفه بوش الابن، والتي لم يسبق أن تركها رئيس لخلفه في الرئاسة هناك.
لقد طرح أوباما مبادرات تاريخية تجاه جيرانه في أميركا الجنوبية، وخاصة تجاه خصوم واشنطن في فنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا وحتى في كوبا المحاصرة والمعاقبة من واشنطن طيلة قرابة نصف قرن مضى، كما طرح أوباما مبادرات تجاه ألد أعداء الولايات المتحدة في عهد سلفه بوش وهي إيران، وأيضاً طرح مبادرة تجاه الشرق الأوسط بتصميمه على حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية رغم رفض إسرائيل له.
وطرح مبادرته الكبيرة بالانسحاب القريب من العراق، والتي يشكك فيها الكثيرون، ومبادرة أخرى بالحوار مع النظام الحاكم في السودان، ومبادرته العسكرية بتوجيه القوات العسكرية لأفغانستان رغم أن الكثيرين كانوا يتوقعون الانسحاب من المستنقع الأفغاني الذي يرفض الأوروبيون مساعدة أميركا فيه، ثم مبادرة أوباما تجاه روسيا لتقليص الأسلحة النووية وتغاضيه عن نشر مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في شرق أوروبا حتى لا يغضب موسكو، وكذلك عدول واشنطن عن فكرة انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الناتو، وكذلك مبادرة أوباما تجاه العالم الإسلامي الذي أعلنها في تركيا، والبقية تأتي.
ويبقى السؤال المهم: كيف ستتعامل إدارة أوباما مع كل هذه المبادرات في وقت واحد؟ مع العلم ان بعضها يناقض الآخر بشكل واضح، وهل ستترك الأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة في الولايات المتحدة لإدارة أوباما فرصة للخوض في كل هذه المبادرات؟
السياسي الأميركي المخضرم هنري كيسنجر يرى أن صورة السياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما تتمثل في التعددية، والإصرار المتكرر على تمييز نفسه بصورة علنية عن سلفه، والمفاوضات الموسعة على عدد من الجبهات بصورة متزامنة، والتأكيد على بناء علاقات شخصية مع نظرائه. وقال كيسنجر إن التحدي الذي يواجه أوباما الآن يتمثل في ترجمة مبادراته الموسعة إلى استراتيجية سياسة خارجية متناغمة.
ويرى كيسنجر ان الأمر يتطلب من أوباما شجاعة فائقة لتدشين المفاوضات حول ذلك العدد الضخم من الموضوعات، والتي كان من بينها الحوار الاستراتيجي مع الصين، للارتقاء بالمفاوضات الجارية إلى مستوى أعلى، والحوار حول الحد من التسلح مع روسيا، الذي شهد توقفاً منذ ما يقرب من عقد من الزمن، وكذلك مبادرته غير المسبوقة تجاه إيران.
في موسكو يرى المحللون السياسيون أن المبادرات التي طرحها أوباما حتى الوقت الحاضر بشأن العلاقات مع موسكو، «فاقت توقعات الجانب الروسي» بالقدر الذي يعتقد الكثيرون معه أنه من الصعب تحقيق كل هذه المبادرات والطموحات، حتى لو صدق أوباما في نواياه، كما يرى البعض أن مبادرات أوباما ربما تعكس بالفعل نواياه وحماسه للتغيير الذي أعلن عنه مراراً وتكراراً، لكنها من المؤكد ليست طموحات كل من حوله في الإدارة الأميركية ولا في مراكز الضغط الأميركية التي تلعب دوراً كبيراً في توجيه سياسة الدولة.
بالقطع الرئيس الأميركي يملك سلطات واسعة، وسلطاته أعلى من سلطات أي جهاز في الدولة، ولكن الأمور لا تسير في الولايات المتحدة على هذا النحو، وما يفعله أوباما يرى كثيرون في دوائر صناعة القرار الأميركي أنه خطأ، وبعضهم يرى أنه مهين ويسيء لهيبة الولايات المتحدة ويظهرها في مظهر الضعيف والمذنب الذي يتوسل للآخرين أن يسامحوه على أخطائه ويعفون عنه، وهذا في حد ذاته أمر مرفوض تماماً في العقلية والثقافة الأميركية التي اعتادت لعقود طويلة أن ترتكب أبشع الأخطاء وأكبر الجرائم وتبررها بأنها من أجل الحرية والديمقراطية وسلامة البشرية.
كاتب روسي
maze nabb59@hotmail.com




















