نصير الأسعد
لا تدعُ مجريات جلسة مجلس الوزراء مساء الأربعاء الماضي مجالاً للشك في أن فريق 8 آذار لم يكن في صدد الإعتراض على تعيينات إسمية في حد ذاتها، بل كان يعترض بالفعل على مبادئ دستورية تشمل ـ في ما تشمل ـ صلاحيات رئيس الجمهورية ودوره. فما إن طرح الرئيس ميشال سليمان بند التعيينات "المسجّل" أصلاً على جدول الأعمال وقبل الدخول في الأسماء حتى إنبرى وزراء هذا الفريق للإحتجاج على تضمين جدول الأعمال هذا البند، ما دعا الرئيس سليمان إلى التذكير مراراً بأن طرح هذا البند "عمل دستوري"، وبأن عرضه وصولاً إلى التصويت "من صلاحيات رئيس الجمهورية".
"العمل الدستوري"
ولمّا كان فريق 8 آذار يعرف، أو يُفترض أن يعرف، أن جدول أعمال مجلس الوزراء يعدّه رئيس مجلس الوزراء ويعرضه على رئيس الجمهورية بحسب الدستور، فإن الإعتراض على جدول الأعمال في جلسة مساء الأربعاء إنما هو إعتراض في وجه الرئيس، بل هو قرارٌ بالصدام المباشر معه.
ذريعتان إستخدمهما 8 آذار في محاولة لـ"تمويه" القرار بالتصادم المباشر مع الرئيس. الذريعة الأولى أن مجلس الوزراء يجب أن يبتّ في جلسته "سلّة كاملة". ولم يعُد خافياً أن مصطلح "السلّة الكاملة" بالكاد هو الإسم الحركي للإبتزاز، إذ يربط عناوين بأخرى ويقايض عناوين بأخرى.. والتعطيل هو الهدف في المطاف الأخير. أما الذريعة الثانية فكانت ذريعة "التوافق"، أي الإتفاق المسبق خارج مجلس الوزراء على التعيينات والأسماء.. "من وراء" الأصول والقواعد الدستورية.
8 آذار: الرئيس التوافقي "خيال صحراء"
هذا ما كان "داخل" الجلسة. أما خارجها، فلم يتأخر "الحزب القائد" لفريق 8 آذار، أي "حزب الله" عن تسليط الهجوم على الرئيس ميشال سليمان مباشرةً.. بلا لفّ ولا دوران. وفي هذا السياق، اعتبر المسؤولون في الحزب أن رئيس الجمهورية بإصراره على ممارسة صلاحياته الدستورية أو بممارسته دوره الدستوري إنما يُسقط كونه رئيساً توافقياً. والحال أن التفسير الوحيد لدى "حزب الله" ـ ومجمل فريق 8 آذار ـ لـ"الرئيس التوافقي" هو أن يكون "خيال صحراء" في أسوأ الأحوال، ومجرد "مدير" للعبة أو "صندوق بريد" في "أحسن" الأحوال. وفي الحالتين لا يكون الرئيس التوافقي رئيساً فعلياً. وبطبيعة الحال، فإن إنتخاب الرئيس بـ"التوافق" لا يُفضي إلى نزع صلاحيات الرئاسة منه، كما أن إعتماده لصيغة معيّنة في مقاربة موضوع معيّن لا يجعله منحازاً إلى فريق بذاته أو طرفاً ضد فريق بذاته.. لأنه رئيس الجمهورية الذي يطبّق الدستور، وحيث يُفترض أن تطبيق الدستور لا يُغضب أحداً.
التعيينات ضحيّة ولكن
لا شك إذاً أن التعيينات كانت بمثابة "ضحية" لقرار 8 آذار الصدام المباشر مع رئيس الجمهورية، وهو القرار الذي يشكّل أحد العناوين الكبرى لـ"المشروع الإنقلابي" الذي ينخرط 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ فيه على إتفاق الطائف وعلى الدستور وعلى المؤسسات الدستورية.
التعيينات "ضحية"، وهذا ما يحيط العملية السياسية الديموقراطية، والإنتخابات في إطارها، بغموض وشكوك. لكن هل يكون الرئيس، وهو يعرف أن 8 آذار "لا يحلّل ولا يحرّم" وأن هذا الفريق "عاشقٌ للتعطيل" ولا يرى قوته إلاّ في التعطيل، أخطأ في إصراره على طرح التعيينات وعلى التصويت مجازفاً بعدم حصولها تالياً؟
"تكتيك الرئيس".. و"الهدف الذهبي"
لا يستطيع أحدٌ وليس من حقّ أحد أن يعتمد تفسيراً معيّناً لموقف الرئيس سليمان، أو لما يمكن تسميته "تكتيك الرئيس"، خصوصاً أن التفسير الطبيعي والمنطقي هو التفسير الدستوري المنوّه عنه آنفاً. بيدَ أن قراءةً "سياسية" في ضوء النتائج السياسية، تكشف عدداً من الحقائق.
ثمة حقيقةٌ رئيسية هي أن "تكتيك الرئيس" ـ إصطلاحاً ـ إذ أعاد الإعتبار إلى المبادئ والقواعد الدستورية إنما سجّل "هدفاً ذهبياً" دستورياً في "مرمى" 8 آذار. وهذا ما دفع بعديدين إلى إعتبار أن الرئيس حقّق نصراً دستورياً بتأكيده على الآليات في وجه "التعطيل" من جهة وفي تظهيره لمخاطر "الثلث المعطّل" فضلاً عن لادستوريته من جهة ثانية، وفي تعزيزه لقوله المتكرّر إن ممارسة الرئيس صلاحياته تحتاج إلى ما يمكّنه من ممارستها كالترجيح مثلاً من جهة ثالثة.
فخّ كشف الأوراق باكراً
وثمّة حقيقةٌ رئيسية تفوق سابقتها أهمية، هي أن "تكتيك الرئيس" ـ إصطلاحاً ـ وضع الحكومة أمام "إختبار".. وفي هذا "الإختبار" وقع فريق 8 آذار في "الفخّ". و"الفخّ" هنا هو فخّ "الإضطرار" إلى كشف أوراقه السياسية، باكراً قبل إنتخابات 7 حزيران ونتائجها، أي ليس فقط كشف الطبيعة الإنقلابية لمشروع 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدّمة ـ بل كشف نيّة المضيّ العملي في الانقلاب، وهذا ما أشّرت عليه أصلاً المواقف المنقولة عن بعض أركان هذا الفريق تجاه الرئيس سليمان وولايته. و"الأرجح" أنّ 8 آذار بما أقدم عليه في مجلس الوزراء كشف نيّته الإطاحة بالانتخابات نفسها وليس بنتائجها، أي إعدام تاريخ 7 حزيران.
ووفقاً للمقدمات الآنفة جميعاً، فإن "تكتيك الرئيس" ـ إذا كان تكتيكاً بالفعل ـ يكون ناجحاً بالمعيارَين الدستوري والسياسي.
إنقلابٌ "على" أجندة إقليمية
ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا وقع "حزب الله" ـ و8 آذار ـ في هذا "الفخّ"؟ أو لماذا لم يرَ أن ثمة فخاً أصلاً؟
في الجواب عن هذا السؤال، لا شك أن هناك توتراً ملحوظاً لدى "حزب الله". لكن لا شك أيضاً أن لـ"المشروع الإنقلابي" في الداخل أجندةً إقليمية. أي أن هناك معطيات إقليمية متحرّكة تدفعُ توتّر "حزب الله" إلى ذروته على ما يبدو. وذلك ما لا بد من "الإحاطة" به وبتوسّع في الأيام القريبة المقبلة لأن الخشية "على" الانتخابات في محلّها اليوم أكثر من أيّ يوم مضى.




















