لا الضغط المعنوي الذي مثّلته زيارة البابا بينيديكتوس الـ16 للمنطقة، ولا الثقل الفعلي الذي سيمثله اللقاء في البيت الابيض الاثنين، ولا مسايرة دول الاعتدال العربي عبر زيارتين لمنتجع شرم الشيخ وعمان، ولا الفتور الاوروبي المستجد حيال اسرائيل، بقادر على دفع بنيامين نتنياهو على القبول بـ"حل الدولتين"، وإرجاء "أجندته" الداعية الى مواجهة ما يسميه "الخطر الايراني".
ربما كان هذا الاصرار الاسرائيلي وراء ارسال اوباما تحذيراً جدياً الى نتنياهو بعدم الاتيان بفعل يخلط الاوراق في المنطقة، ويفرض على الرئيس الاميركي جدول اعمال غير الذي يعتزم تنفيذه من أجل الخروج من العراق، والتفرغ لمحاربة "طالبان" و"القاعدة" في افغانستان وباكستان.
وفيما يحض اوباما نتنياهو على التعقل، يتوقع ديك تشيني من غياهب النسيان، ان تقدم اسرائيل على فعل "شيء ما" حيال مضي ايران في برنامجها النووي.
التصلب الاسرائيلي غايته دفع ادارة اوباما الى اليأس من محاولة إحياء مفاوضات السلام في الشرق الاوسط، وضم جهود اسرائيل الى جهود الغرب ودول الاعتدال العربي لتقف سداً منيعاً في مواجهة البرنامج النووي الايراني.
ومع ان هناك شبه اقتناع بين الدول العربية وادارة اوباما على ان إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي من شأنه المساعدة على احتواء ايران، فإن نتنياهو يرى العكس باعتبار ان اضعاف ايران من شأنه إضعاف الاطراف الفلسطينيين الذين يرفضون الحل الاقتصادي والحكم الذاتي الموسع الذي تقترحه حكومة اليمين الاسرائيلي المتشدد.
ويجد نتنياهو في تصاعد الخطاب العربي ضد ايران ونفوذها في المنطقة، قاعدة لإسباغ صدقية على تقديمه الموضوع الايراني على الموضوع الفلسطيني. واذا كان العرب وواشنطن يقبلون بأن يسير التصدي لايران في موازاة المفاوضات الآيلة الى حل الدولتين، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي يرفض ابداء مرونة، وان شكلية في هذا المجال، لتأمين الاخراج امام واشنطن والمعتدلين العرب.
واذا ما نجح نتنياهو في فرض اولوية المواجهة مع ايران، فإن المنطقة ستكون مقبلة على كثير من الاحتمالات. فمن سيضمن ان عودة الجمود الى المسار الفلسطيني لن تتسبب في انتفاضة ثالثة؟ كما ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيجد نفسه في موقف محرج جداً اذا ما قبل بالسير في خيار نتنياهو. كما ان العرب الذين لا يزالون متمسكين بمبادرة السلام التي أطلقوها في قمة بيروت 2002 واعادوا تفعيلها في قمة الرياض 2007 ، سيجدون صعوبة في استمرار الدفاع عن هذه المبادرة.
فضلاً عن ذلك، كيف سيكون في الامكان ضمان السلام اقليمياً في حال بقيت مسارات التفاوض مجمدة لأعوام أخرى، واسرائيل تواصل الاستيطان في الضفة الغربية وتغيّر معالم القدس، وتبحث عن سبل للتخلص من فلسطينيي عام 1948؟
كل ذلك سيجري باسم مواجهة ايران ومنعها من الوصول الى القنبلة النووية. أما الكلفة التي سيدفعها العرب من اجل ذلك، فهي باهظة جداً وفي مقدمها المخاطرة بتصفية القضية الفلسطينية نهائياً. واذا كانت اسرائيل تصوّر ايران اليوم بأنها تشكل تهديداً وجودياً لها، فهل وصل العرب ايضاً الى مرتبة تصنيف ايران في خانة الخطر الوجودي عليهم؟
كثيرة هي الامور التي ستترتب على ذهاب بعض العرب الى حد تكوين الرؤية ذاتها التي تكوّنها اسرائيل عن ايران، وتالياً القبول بأن يتقدم التصدي للنفوذ الايراني على القضية الفلسطينية. ان اعتماد هذا التفسير الضيق للصراع في المنطقة سيجر الى سيناريو كارثي على العرب وقضاياهم، ويحجب حقيقة المصدر الحقيقي للخطر الوجودي على العرب.
ولا عجب ان يتسلح نتنياهو اليوم بالقلق العربي من ايران للتمسك بنكرانه الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ويخطئ العرب ان ظنوا يوماً ان ايران تشكل خطراً وجودياً عليهم، ونسوا ان الخطر الوجودي عليهم منبعه اسرائيل.
سميح صعب




















