تعد "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة" المعروفة باسم "إيباك"، المتأسسة في 1951، واحدة من أشهر وأقوى جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة. وتقول "إيباك" عن نفسها إن دورها لا يتعدى تقديم المعلومات لصانعي القرار الأميركيين، وتنفي ممارسة أي نوع من الضغوط على السياسيين الأميركيين لحملهم على تأييد إسرائيل. لكن المعروف أن "لإيباك" تأثيرها القوي على السياسة الخارجية الأميركية، بمعنى حرصها على ضمان تبني الولايات المتحدة وجهة النظر الإسرائيلية في صراع الشرق الأوسط، والقضايا العالمية بصفة عامة. وقد شهد العام (1967) ارتفاعا حادا في نشاط "إيباك" حتى نجحت في "إقناع" السياسيين الأميركيين بأن إسرائيل "خير حليف للولايات المتحدة بالمنطقة نظرا لقوتها العسكرية" ولكونها "دولة ديمقراطية" عكس معظم الأنظمة الأخرى بالمنطقة! وقد شكلت فترة رئاسة (رونالد ريغان) العهد الذهبي "لإيباك" حيث ارتفع عدد أعضائها من (8) آلاف إلى (50) ألفا، ثم إلى (100) ألف لاحقا، فأنشأت "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" في 1985 لغرض نشر التقارير والأبحاث المؤيدة والداعمة للموقف الإسرائيلي. ويكفي تأكيد موقع "إيباك" الالكتروني بأن "اللجنة" إياها تجري مع أعضاء الكونغرس الأميركي (2000) مقابلة في السنة الواحدة ينتج عنها (100) تشريع محاب لإسرائيل.
في المقابل، هناك معارضة "لإيباك" من منظمات يهودية. فموسوعة "سبين ووتش" تقول إن "إيباك" تواجهها منافسة من منظمات يهودية أخرى تتهمها بالانحياز للميول اليمينية المحافظة التي لا تمثل الآراء العامة للتجمعات اليهودية. ومن أبرز هذه المنظمات "منتدى إسرائيل للسياسات" الذي يرأس الآن قسم أبحاثه (أم جاي روزنبيرغ) رئيس تحرير "تقرير الشرق الأدنى" في "إيباك" خلال الثمانينيات. كما تواجه "إيباك" اتهامات من "مجلس المصلحة القومية" الهادف تغيير السياسة الأميركية إلى اتجاه لا ينحاز تلقائيا إلى الجانب الإسرائيلي، ولذلك شن "المجلس" حملات ضد "إيباك" في ظل فضائح التجسس المتكررة لصالح إسرائيل. ومؤخرا قررت مجموعة من اليهود الأميركيين (اليساريي الهوى) تشكيل لوبي جديد باسم "جي ستريت"، حيث يقول (جيرمي بن عامي) المستشار السابق للرئيس (بيل كلينتون) والرئيس التنفيذي للمجموعة: "إن مصطلح (موال لإسرائيل) تم اختطافه من قبل الذين يتبنون وجهات نظر تعارضها غالبية الاميركيين اليهود منهم وغير اليهود"، مضيفا: "إن المجموعة الجديدة ستتبنى حل الدولتين المستقلتين للصراع في الشرق الأوسط". وتعتقد "جي ستريت" أن السياسة الأميركية (حتى صعود أوباما) تميل بشدة لمصلحة اليمين الإسرائيلي، وأن ذلك لن يخدم، استراتيجيا، مصلحة أميركا أو إسرائيل. وقال (بن عامي): "أفضل شيء يمكن أن يفعله أي سياسي أميركي مخلص بشدة لإسرائيل هو تحقيق حل الدولتين وإيجاد اتفاق سلام شامل بين إسرائيل وجيرانها". وختم قائلا: "يقوم عمل المنظمة على إنهاء التأثير الطاغي للجماعات المتشددة واليمينية التي لا تعطي اليهود الليبراليين الفرصة للتحدث فيما يخص عملية السلام في الشرق الأوسط والدور الأميركي فيها".
ربما لن تستطيع "جي ستريت" أن تكبر وتنافس "إيباك" بسرعة. غير أن صوتها ارتفع داخل المجتمع الأميركي اليهودي في ظل ما اعتبره البعض "بدء الانحدار" أو "الترنّح" في نفوذ "إيباك" بسبب (مجموعة تجاهلات) لتحولات شهدتها، منذ 2006، "عقليات" تجمعات اليهود الأميركيين. وقد جاء "التجاهل" الأول بعد أن أثار الأكاديميان (ستيفن والت) و(جون ميرشايمر) عاصفة بنشرهما بحثا يؤكد أن "مجموعات لوبي مثل "إيباك" دفعت السياسة الخارجية الأميركية باتجاه تبني وجهات النظر الإسرائيلية والتي غالبا ما تكون ضد المصلحة القومية لأميركا". وقد تسبب هجوم "إيباك" على الكاتبين (واتهامهما بأنهما "منظرا مؤامرة ومعاديان للسامية وأكاديميان فاشلان") بمنحهما مصداقية كبيرة ساعدت كثيرا في انتشار مقالتهما ثم لاحقا كتابهما الشامل الذي صدر تحت عنوان (لوبي إسرائيل). أما "التجاهل الثاني" فتمثل في الدعم الأعمى الذي قدمته "إيباك" للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة رغم ما ترتب عليه من خسارة في تعاطف المجتمع الدولي (وحتى الأميركي) مع الدولة الصهيونية. وكما كتب (جون غويكلر): "بينما أثارت تحركات إيباك السابقة النقاشات، أفضى دعمها الأعمى للتصرفات الإسرائيلية في غزة إلى إثارة مشاعر الاشمئزاز. لم تقم إسرائيل فقط بتدمير البقايا الباقية من أسطورتها حول صراع داود وجوليات باستخدام الطائرات الحربية والدبابات والعموديات ضد ميليشيا صغيرة مسلحة بمعدات وأسلحة صغيرة فحسب، وإنما تخلت أيضا عن كل ما يذكر بصورتها باعتبارها (الطرف الخيّر) بعد هدم المشافي والعيادات والمدارس والمساجد بشكل متعمد". أما "التجاهل الثالث"، فهو ما مثلته حادثة (تشارلز فريمان) الذي عينه (باراك اوباما) ليرأس مجلس الاستخبارات الوطني، لكنه "استقال" بعد أن هاجمته "إيباك" بوحشية لمواقفه المستندة إلى قناعته بأن "الولايات المتحدة طالما هي مستمرة بتقديم مساعدات مادية غير مشروطة وحماية سياسية لسياسات الاحتلال والغطرسة الاسرائيلية، فإن الأمل بإعادة إحياء عملية السلام سيصبح ضئيلا للغاية، هذا إن وجد أمل أصلا". غير أن ما لم تحسب حسابه "إيباك" وفقا لمقالة حديثة لجون ميرشايمر نفسه أن (فريمان) شن حملة لا هوادة فيها ضد "اللوبي الاسرائيلي" وسياساته المتعارضة مع مصالح الولايات المتحدة، وهي الحملة التي لا تزال أصداؤها تتفاعل في أوساط متنامية.
في الماضي، لم تتجرأ الشخصيات السياسية الغربية (وبخاصة الأميركية) على الاصطدام بالقوى الموالية لإسرائيل. بل رأينا كيف أن النادر ممن "تجرأ"، سرعان ما انكفأ وتراجع مسلما بالهزيمة. لكن ما يشير إلى "بدء انحدار" و"ترنح" نفوذ ايباك أن (جيمي كارتر) الذي جابهه اللوبي الاسرائيلي بعاصفة هوجاء من النقد وتلطيخ السمعة إثر نشر كتابه "فلسطين: السلام وليس الأبارتيد" كان أول شخصية أميركية كبرى تصمد وتقاوم بحيث لم ينجح اللوبي في اسكاته. وقد تبعه (فريمان) بشراسة نقدية أشد. فبعد أن أجبره "اللوبي الصهيوني" على "الاستقالة"، أصدر إدانة لاذعة "لفئة من عديمي الضمير الموالين موالاة شديدة والمرتبطين ارتباطا وثيقا بوجهات نظر وآراء وتوجهات زمرة سياسية في بلد أجنبي"، مضيفا: "ثمة زمرة تصر بشراسة وبشكل صارخ على فرض رأيها ونهجها المتمثل في ممالأة سياسات حكومة أجنبية والتزامها وعدم الخروج عن طوعها". وإزاء هذه الانفضاحات لدور اللوبي الاسرائيلي، يستخلص (غويكلر): "يرجح كثيرا أن عضوية ايباك، ومانحيها ونفوذها على السياسة الأميركية الخارجية سوف تنحدر باطراد وثبات. وبينما يحصل ذلك، سوف تظهر مقاربات أكثر براغماتية وتوازنا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وربما يحدث ذلك (أيضا) بسبب القيادة الأميركية في غياب فيتو أميركي، أو من خلال وقف تدفق المساعدات الأميركية التي تساعد في إبقاء كفة الميزان راجحة لصالح إسرائيل. ولربما يحدث ذلك للأسباب الثلاثة مجتمعة".
"المستقبل"




















