حسن مواسي
المستقبل –
شكلت النكبة الفلسطينية في العام 1948، محطة سوداء في التاريخ الحديث حيث اقتلعت معظم الشعب العربي الفلسطيني من ارضه وشردت في دول الجوار واصقاع الدنيا، حيث نجحت العصابات الصهيونية وتحت قوة السلاح بتحويل أكثر من 800 ألف فلسطيني من أصل مليون و400 ألف، كانوا يعيشون في 1300 تجمع سكاني، وبين ليلة وضحاها تم طردهم من وطنهم وأرضهم وجردوا من أملاكهم وبيوتهم، وتمكنت العصابات الصهيونية مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دافيد بن غريون إقامة دولة إسرائيل يوم 15 أيار (مايو) 1948، باحتلال أكثر على ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية ودمرت 531 تجمعاً سكانياً وطرد وتشريد نحو 85 في المئة من السكان الفلسطينيين.
وفي المعطيات الاحصائية يتبين انه في العام 1948، سيطرت العصابات الصهيونية على 774 مدينة وقرية فلسطينية، بعد أن اقترف الاحتلال أبشع المجازر بحق المواطنين العزل، ووصل عددها الى 70 مجزرة ومذبحة أشهرها دير ياسين، فيما بلغ عدد الشهداء اكثر من 15 ألف فلسطيني في مجمل المعارك والمجازر.
فرض واقع جديد
اليوم وبعد 61 عاما، تواصل دولة الاحتلال ملاحقة فلسطينيين الـ48، الذين تشبثوا بوطنهم ودافعوا عن حقوقهم الوطنية المشروعة، من خلال شرعنه مصادرة الأراضي العربية، ومحاولات فرض واقع جديد يكمن من خلال مس شرعية مواطنتهم، وقيام مختلف التيارات اليهودية المتطرفة بوضع البرامج والمخططات من اجل النيل منهم.
وآخر المحاولات، اشتراط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومعه مختلف الاحزاب الصهيونية، الاعتراف بيهودية إسرائيلية كشرط أساسي للتفاوض مع الفلسطينيين، وداخليا تقوم هذه الأحزاب باشتراط المواطنة لفلسطيني الـ48 بالولاء لدولة إسرائيل، حيث يشكل فلسطينيو الـ48 وعددهم حسب آخر الإحصائيات الإسرائيلية نحو مليون و4998الف مواطن، عقبة كأداء أمام تحقيق مسعى "يهودية الدولة".
ويرى الباحث الفلسطيني مهند مصطفى أن أهم التحديات التي تواجه فلسطينيي الـ48 اليوم، تتركز في قضية الأرض والمسكن، وقضية بلورة وصياغة أسس لتنظيم الأقلية الفلسطينية في أراضي الـ48، إلى جانب وضع مختلف مخططات التهجير في منطقة المثلث ذي الأغلبية العربية (كشف المركز العربي للتخطيط البديل هذا الأسبوع عن قرار لوزير الداخلية الإسرائيلي السابق مائير شطريت بإقامة لجنة تنظيم وبناء منفصلة لمستوطنتي "حريش" و"كتسير" تمهيدا لإقامة مدينة يهودية للمتدينين وتوطين 150 ألف مستوطن لكسر الأغلبية العربية في المثلث)، هذا إلى جانب تنامي الدعوات بين الفينة والأخرى إلى ضرورة إجراء "تبادل سكاني"، إلى جانب التفكك الاجتماعي الذي وصل أعلى مستوى له في أراضي الـ48 المحتلة، وفرض ما يسمى "الخدمة المدنية/الوطنية" عليهم كبديل للخدمة العسكرية والتجنيد في جيش الاحتلال، مقابل حصولهم على بعض الامتيازات والتي هي أساسا لا تفي بأدنى الشروط للمساواة بين العرب واليهود في إسرائيل.
تمييز عنصري
تبين آخر استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية تنامي عقلية التخلص من فلسطيني الـ48، وذلك من خلال تأييد أكثر من 75 في المئة من الإسرائيليين، بضرورة وقف خطر التهديد العربي، الذي يشكله فلسطينيي الـ48 على يهودية الدولة، حيث يؤكد المشاركون في استطلاع أجراه معهد "بانلس" لصالح تلفزيون الكنيست، أن هناك شرعية في ترحيل فلسطينيي الـ48 في حال إقامة دولة فلسطينية، فيما أيد قسم آخر أن هناك حاجة للتخلص منهم جميعا، وقسم آخر يرون ضرورة ترحيلهم إذا لم يوافقوا على الولاء للدولة.
ففلسطينيو الـ48 يشكلون نسبة 20 في المئة من مجمل سكان إسرائيل، وهذا الأمر يتزامن مع انخفاض نسبة المهاجرين الجدد وتراجع قدوم اليهود إلى إسرائيل، فيما هناك زيادة في نسبة الولادة لدى العائلات العربية في داخل أراضي الـ48، هذا يعني أن نسبتهم تزداد وتتضاعف، وفي المقابل تتراجع الأغلبية اليهودية.
تحديات استراتيجية
في العام 1948 بقي في إسرائيل نحو 156 ألف فلسطيني بعد أن انقطعت كل وسائل الاتصال مع محيطهم العربي، وخلال سنواتها الـ19 الأولى، عملت إسرائيل وبكل الوسائل على طردهم وتشريدهم، إلا أنهم بقُوا وتشبثوا رغم الحكم العسكري الذي فرضته عليهم من العام 1948 الى 1966.
ويواجه الفلسطينيون اليوم قضية مصيرية وهي تكمن من خلال تنظيمها وإعادة بنائها حيث كتب الكثير في هذا الباب، وتحاول بعض الأطر السياسية والأكاديمية بالدعوة إلى إعادة تنظيم وهيكلة فلسطينيي الـ48.
وبالتوازي مع ذلك تشهد منطقتا المثلث والنقب والمدن الساحلية محاولات إسرائيلية مكثفة لتهجير وتشريد العرب منها وتحديدا في النقب، حيث يواجه نحو 75 ألف فلسطيني يعيشون في 45 قرية عربية قائمة قبل إسرائيل، خطر يومي وملاحقات تقوم بها السلطات الإسرائيلية بذريعة "سيطرتهم" على أراضي الدولة، حيث يتمثل هذا الخطر في استمرار هدم المنازل العربية ومصادرة أراضيهم ووضع مختلف المخططات الهادفة إلى توطينهم في اصغر رقعة ارض ممكنة.
وخلال السنوات الـ61 الماضية صادرت إسرائيل مئات آلاف الدونمات العربية في النقب والمثلث والجليل والمدن الساحلية (المدن الفلسطينية التاريخية). فمدن يافا واللد، الرملة وعكا وحيفا تشهد عمليات تهويد تهدف الوجود العربي والفلسطيني فيها، والتي تبرز في الفترة الحالية قيام جماعات من المستوطنين المتطرفين في الخليل وغيرها من مستوطنات الضفة الغربية بتكثيف الاستيطان داخل الاحياء العربية في يافا واللد وعكتا تحديداً.
أما منطقة المثلث والتي يعيش فيها نحو 300 ألف فلسطيني، وتمتد على طول الحدود مع الضفة الغربية من جنين شمالا حتى كفر قاسم جنوبا، أصبحت هي الأخرى مستهدفة من قبل السياسيات الترانسفيرية الإسرائيلية، حيث تعمل على إقامة مدينة يهودية كبيرة شمال باقة الغربية لتوطين 150 ألف مستوطن، وذلك ضمن رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اريل شارون والتي عرفت بـ"النجوم السبع". وتأتي ضمن الإستراتيجية الإسرائيلية السيطرة على الأراضي العربية المحتلة عام 1948، والتي تكمن من خلال فرض سيطرة ديمغرافية لليهود، إلى جانب السيطرة على الموارد المالية والاقتصادية لفلسطينيي الـ48 من خلال ربطهم اقتصاديا بالمستوطنات اليهودية المحيطة، وبالتالي إحكام سيطرتها الجغرافية والتي تضمن لها تهويد المكان والحيز الفلسطيني.
مساعي العبرنة
اهتمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال 61 عاما على فرض سيطرتها على فلسطينيي الـ48، والهادفة إلى فكفكة وتفتيت المجتمع العربي الفلسطيني، لمنع وحدة فلسطينيي الـ48، وكرست من اجل هذا الأمر سياسة التجهيل ألتعلمي والسياسي والثقافي مع فرض هيمنة جهاز الأمن العام "الشاباك" وتدخله في كل كبيرة وصغيرة تخص فلسطينيي الـ48.
وقامت إسرائيل في إطار حربها التهويدية على تغيير أسماء ومواقع القرى والمدن الفلسطينية التي هجرت، حيث غيرت أسماء نحو 8000 موقع جغرافي وإضافة إلى الأسماء الفلسطينية التاريخية، حيث قامت منذ إقامة إسرائيل بعبرنة أكثر من 90 في المئة من فلسطين المحتلة.
وتبقى الأرض هي محور الصراع في القضية الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي، إذ لم تتوقف سلطات الاحتلال منذ عام 1948 عن وضع المخططات والمشاريع المجحفة ضد السكان العرب ولم تتوقف كذلك عن افتعال القوانين والذرائع لتنفيذ تلك المخططات والمشاريع الرامية أساساً وقبل كل شيء إلى تجريد فلسطيني الـ 1948، مما تبقى في أيديهم من أرض، وإلى تهويد تلك الأراضي وزرع المستعمرات وإقامة المدن والقرى الاستيطانية فوقها، ومحاصرة السكان العرب في أماكنهم وسكنهم والحيلولة دون الامتداد العمراني الذي يحتمه ويستلزمه تكاثرهم الطبيعي.




















